أثبتت تجربة كوفيد-19 قدرة المملكة على ضمان الوصول إلى التعليم في ظروف استثنائية، لكن التجربة كشفت أيضًا أن تشغيل المنصة لا يعني بالضرورة تحقيق التعلّم. واليوم، ونحن أمام تحول جديد، ينبغي ألا نكرر التجربة ذاتها فحسب، بل أن نخرج منها بمكاسب مهنية وتربوية مستدامة.
أهم ما ينبغي استثماره خلال فترة التعليم عن بُعد هو تنمية مهارات المعلمين والمعلمات في توظيف أدوات التعليم الإلكتروني بفاعلية. فالمطلوب ليس مجرد الدخول إلى الفصل الافتراضي، ورفع الملفات، وإسناد الواجبات، بل القدرة على تصميم درس رقمي تفاعلي، وإدارة النقاش، وتنويع الأنشطة، وتقديم التغذية الراجعة، واستخدام أدوات التقويم الإلكتروني للكشف عن مستوى فهم الطلاب.
وهنا تبرز أهمية التدريب السريع والموجّه؛ من خلال لقاءات افتراضية قصيرة، ودروس تطبيقية مسجلة، ومجتمعات مهنية يتبادل فيها المعلمون الخبرات، مع تخصيص دعم فني وتربوي مباشر لمن يحتاج إليه. والأهم أن ينطلق التدريب من احتياجات المعلم الفعلية، لا من برامج عامة قد لا تعالج التحديات التي يواجهها داخل حصته.
لا ينبغي أن يقتصر دور مدير المدرسة ووكيله للشؤون التعليمية على متابعة جداول الحصص ورصد الحضور. بل يجب أن يمتد إلى متابعة جودة الدروس الافتراضية، وانتظام التفاعل، وتنفيذ الأنشطة، وقياس مدى استيعاب الطلاب.
ويمكن تحقيق ذلك من خلال متابعة يومية منظمة، تتضمن الاطلاع على عينات من الدروس، ومراجعة نتائج التقويمات القصيرة، ورصد الطلاب الذين لم يتمكنوا من المشاركة أو أظهروا تعثرًا، ثم التواصل مع المعلمين والأسر لمعالجة الأسباب فورًا.
يمثل المشرف التربوي حلقة الوصل بين التوجيه المهني والتطبيق داخل المدرسة. وتزداد أهمية دوره في هذه المرحلة من خلال تقديم تغذية راجعة للمعلمين، ومساعدتهم على تحسين تصميم الدروس الرقمية، وتبادل الممارسات الناجحة، وتقديم تدريب علاجي سريع عند ظهور جوانب تحتاج إلى تطوير.
كما يمكن توظيف الزيارات الافتراضية القصيرة واللقاءات المهنية المركزة لمتابعة الاحتياجات الحقيقية، بدلًا من الاكتفاء بالتقارير التي تثبت تنفيذ الحصص دون أن تكشف جودة التعلّم.
منع الفجوات التعليمية يبدأ من قياسها قبل أن تتسع. ولذلك نحتاج إلى تقويمات قصيرة أثناء الدروس، وقياس يومي للمهارات الأساسية، ومؤشرات لحظية تكشف التعثر وتتيح التدخل المبكر، مع مراعاة خصوصية كل مرحلة عمرية وإمكانات الطلاب التقنية.
ولا بد أن نميّز بين مؤشرات الدخول إلى المنصة، ومؤشرات المشاركة، والأدلة الفعلية على التعلّم؛ فلكل منها دلالته، ولا يغني أحدها عن الآخر.
التحول إلى التعليم عن بُعد ليس مجرد ظرف يستدعي استمرار الدراسة، بل فرصة لاختبار جاهزية المعلمين والقيادات المدرسية، وتطوير مهاراتهم، وبناء منظومة أكثر مرونة.
فإذا عاد أبناؤنا إلى فصولهم، ينبغي ألا نكون حافظنا على أيامهم الدراسية فحسب، بل طوّرنا معلميهم، وعزّزنا قيادة مدارسهم، ومنعنا الفجوات قبل أن تتحول إلى فاقد تعليمي يصعب تعويضه.