في الثامن عشر من أكتوبر، احتفت أذربيجان بذكرى استعادة استقلالها عام 1991، بعد إعلان قيام الجمهورية الديمقراطية الأولى في الثامن والعشرين من مايو عام 1918. وبين التاريخين حكاية مجتمع لم تنقطع صلته بأرضه وهويته، رغم التحولات التي شهدتها المنطقة.
ماذا يعني الاستقلال حين ننظر إليه من زاوية الثقافة؟ وكيف استطاعت أذربيجان صون ذاكرتها، وحماية موروثها، وإيجاد مساحة تلتقي فيها جميع الأطياف دون أن يفقدوا خصوصيتهم؟
خلال إقامتي الحالية في أذربيجان، وجدت في هذه الأسئلة مدخلًا لقراءة المجتمع، ومحاولة فهم العلاقة بين الهوية الوطنية والتعددية الثقافية. فالمكان الذي يقف عند ملتقى طرق تاريخية وجغرافية متعددة، يحمل في تفاصيله آثار رحلات طويلة من التفاعل بين الشعوب والأفكار والعادات.
لعل أجمل ما في الثقافة أنها لا تحتاج دائمًا إلى وسيط أو إيضاح كي تصل إلينا. قد لا نتقن لغة الآخر، لكننا نفهم معنى أن يمد يده مرحبًا، وأن يصرّ على تقديم الشاي، وأن يشاركنا حكاية عن أسرته ومدينته. عند هذه التفاصيل، نكتشف أن ما يجمع البشر أوسع مما يفرّقهم، من اختلاف لغة وعادات.
هذا ما شهدته أيضا عند تقديمي محاضرة حوارية لطلبة قسم اللغة العربية في جامعة باكو الحكومية، عن عناصر الضيافة في الثقافة السعودية والأذربيجانية، من أجل توظيف اللغة العربية في الحوار وتبادل الأفكار حول العناصر المشتركة بيننا. اتضح لي أن الثقافة يمكنها أن تمنح هذا البُعد الإنساني المشترك بيننا.
حين نغادر مدينةً ما؛ يبقى في ذاكرتنا أثر، يمهد لنا رؤية ما بعد ذلك من معالم وعادات بشكل مرتبط ثقافيا ومجتمعيا بسكان هذه المدينة، ما يجعلها – كمدينة – أكثر قدرة على الانفتاح دون أن تفقد هويتها، وعلى الاعتزاز بتاريخها دون انغلاق.
* باحث سعودي زائر في جامعة ADA بأذربيجان