قبل ذلك كانت دعوة الخليل إبراهيم عليه السلام: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾، فاستجاب الله دعاءه، وبقي الأمن عنواناً لهذه الأرض المباركة.
ومكة ليست جزيرة معزولة، بل هي قلب وطنٍ يحتضنها، والمملكة العربية السعودية التي شرّفها الله بخدمة الحرمين الشريفين تستظل بهذا الوعد، وتنسحب عليها تلك الطمأنينة التي جعلها الله لبيته الحرام. ومن هنا فإن أمن هذه البلاد ليس شأناً وطنياً فحسب، بل هو أمانة في عنق كل مسلم يولّي وجهه شطر المسجد الحرام خمس مرات في اليوم.
رغم هذه المكانة، تتعرض المملكة بين الفينة والأخرى لاعتداءات آثمة تستهدف المنشآت المدنية وتروّع الآمنين، في انتهاك صريح لكل الأعراف الدينية والقوانين الدولية التي تحرّم المساس بالمدنيين. ولا يأتي هذا الاستهداف من أعداء ظاهرين فحسب، بل تقف خلفه أحياناً أطراف تعمل في الخفاء، تموّل الميليشيات الإرهابية وتسلّحها، وتتخذ منها أدوات لتنفيذ أجندات لا تجرؤ على إعلانها. وهذه الميليشيات، مهما رفعت من شعارات، تكشف حقيقتها حين توجّه سلاحها إلى المطارات والأحياء السكنية ومنشآت الطاقة التي يعتمد عليها الناس في معاشهم، بل والعالم في استقرار اقتصاده.
فأي قضية تلك التي تُخدم بترويع الأطفال والمسافرين والعمال؟
غير أن من راهن على زعزعة هذه البلاد قد أخطأ قراءة التاريخ والجغرافيا معاً.
المملكة بما حباها الله من قيادة رشيدة تدير الأزمات بحكمة وحزم، وشعبٍ صادق يلتفّ حول قيادته في الشدائد قبل الرخاء، أثبتت مراراً أنها جبلٌ تتحطم عليه الاعتداءات والمؤامرات الخبيثة. وقد كان لقواتنا المسلحة ومنظومات الدفاع الجوي دورٌ مشهود في التصدي لهذه الهجمات وإحباط أغلبها قبل أن تبلغ أهدافها، فيما ظلت الحياة اليومية تمضي بثبات: المدارس مفتوحة، والأسواق عامرة، والحجاج والمعتمرون يتوافدون بطمأنينة. وتلك رسالة بليغة بأن الإرهاب قد يصنع ضجيجاً، لكنه لا يصنع خوفاً في نفوس شعبٍ يعرف قيمة وطنه.
ولا يمكن قراءة هذه الاعتداءات بمعزل عن سياقها، فاستهداف المملكة لا يخلو من الحقد والحسد، ومن محاولة يائسة لإيقاف قطار التنمية الذي انطلق بقوة تحت مظلة رؤية المملكة 2030؛ تلك الرؤية الطموحة التي قلّ نظيرها في هذا الزمان، والتي تعيد تشكيل الاقتصاد، وتنوّع مصادر الدخل، وتفتح آفاقاً غير مسبوقة أمام أبناء هذا الوطن العظيم، وتضع المملكة في مصاف الدول المؤثرة عالمياً.
إن الدول الناجحة تُستهدف لأنها ناجحة، والمشاريع الكبرى تستفز من لا يملكون مشروعاً سوى الهدم، ولذلك فإن كل منجز يتحقق على هذه الأرض هو في حقيقته ردٌّ عملي على المعتدين، أبلغ من أي بيان.
وإذا كانت القوات المسلحة تحمي الحدود والأجواء، فإن وعي المواطن يحمي الجبهة الداخلية. فالحروب اليوم لا تُخاض بالصواريخ وحدها، بل بالشائعات والحملات الإعلامية المضللة التي تسعى إلى زرع الشك وبث الفرقة. ومن هنا تأتي مسؤولية كل فرد في التثبت من الأخبار، وعدم الانسياق خلف ما تبثه الحسابات المشبوهة، والاعتماد على المصادر الرسمية.
ستبقى هذه البلاد، بإذن الله، حرماً آمناً وبلداً أميناً، كما أرادها الله وكما دعا لها خليله إبراهيم. وسيبقى المعتدون يرتدّون خائبين، فيما يمضي قطار التنمية في طريقه لا يلتفت إلى الحجارة التي تُرمى عليه.
فمن احتمى بوعد الله، وتمسّك بوحدة صفّه، وعمل لمستقبله، لا تضرّه عواصف الحاقدين.