واستمرارا لذلك، شاع في الآونة الأخيرة مصطلح جودة الحياة، وهو يعني ببساطة أشياء مختلفة لأناس مختلفين. فجودة الحياة للعاملين بالقطاع الصحي تعني جودة الخدمات الصحية، وجودة الحياة للتربويين تعني نظاما تربويا متقدما، وجودة الحياة للمهندسين تعني اتباع آخر مستجدات الهندسة بمختلف تخصصاتها، وهي بالنسبة للعاملين في قطاع التغذية تعني توفير نظام تغذية صحي ومتوازن، وقس على ذلك.
ولأن السياحة قطاع يشمل معظم جوانب التنمية العمرانية فإن جودة الحياة مصطلح ملازم تماما للسياحة، بل يكاد يكون لدى البعض مرادفا له. ولذلك فإنه بالإمكان تحديد بعض القطاعات التنموية التي من شأنها تحقيق المصطلح ذاته. السياحة ببساطة هي سفر وترحال، وبالتالي فإن قطاع المواصلات بمستوياتها الجوية والبرية وربما البحرية، هو أحد مرتكزات جودة السياحة. يأتي بعد ذلك إقامة السائح. وهنا تتعدد أوجه إقامته بين فندق، أو شقق فندقية، أو نزل سياحية، أو بيوت ريفية، تبعا للموقع الذي وقع عليه اختيار السائح.
وما إن يستقر السائح في مقر إقامته حتى يبدأ في استغلال وقته في السياحة تبعا لبرنامجه. هنا تتصدر الثقافة بكل صورها وتفاصيلها مشهد الفعاليات السياحية التي تكون برنامج السائح أيا كان نوعه، وهنا تتحول السياحة المحلية إلى منتج ثقافي بامتياز. المتاحف والمراكز الثقافية والمراكز التراثية أيا كان نوعها مطالب أساسية للسائح. إنها مخ السياحة التي يبحث عنها السائح لأنها أصدق ما يعبر عن هوية البلد وأناسه وثقافته.
ولأن المشهد البصري مرافق للسائح في حله وترحاله فإنه يحظى بنصيب وافر من اهتمام السائح. وبالإمكان تفتيت حزمة المشهد البصري إلى مكونات متعددة منها ما يتعلق بجودة الطرق (الفصل بين حركة المشاة والمركبات، وانسياب الحركة المرورية على سبيل المثال) ومنها ما يتعلق بالنمط المعماري للمدن والقرى والأرياف (فوضى المشهد البصري) وقس على ذلك كل شاردة وواردة مما يصادفه السائح.
يمكن أيضا سحب مفهوم جودة الحياة ليشمل بعض الجوانب السلوكية المرافقة للسياحة. ونظرا لأهمية رسم انطباع إيجابي عن السياحة المحلية فإن التمتع بحسن الخلق وكرم الضيافة وهذه ولله الحمد مضمونة سلفا. وبطبيعة الحال فإن سهولة الوصول لنقاط الجذب السياحية وتوفر مقرات الإقامة والخدمات المساندة لها سيرفع من سلوك السياح والمصطافين والعكس صحيح. ولأن السياحة عطاء في الاتجاهين (مالي من قبل السائح وثقافي من قبل موفر الخدمة) فمن باب أولى أن تكون السياحة مرادفة للكرم وهنا تنتقل السياحة من مجرد نشاط اقتصادي مربح إلى قيمة ثقافية نعتز بها.
في عسير السياحة ليست ترفا، إنها محور حياة المنطقة وسكانها، مورد اقتصادي وهوية منطقة، الاهتمام بها وتنشيطها رفع لجودة الحياة للسائح والمضيف. غني عن القول إن ارتقاء السياحة وجودتها مطلب أساسي في ضوء الاستحقاقات والأنشطة والفعاليات التي تستضيفها المملكة على المدى القريب والمتوسط والبعيد وما أكثرها.