هل نقرأ فكرًا لسمو الأمير محمد بن سلمان، أم نقرأ منجزات التحول السعودي، ثم نمنحها، بما نبذله في تفسيرها، بناءً فكريًا من عندنا؟ وهل تكفي كثرة المنجزات، واتساع مجالاتها، وعِظم آثارها، لنقول إن وراءها تصورًا يمكن الكشف عن ملامحه، وفهم منطقه، وتتبع حضوره في القول والقرار؟
هذا سؤال تتوقف عليه مشروعية القراءة نفسها؛ إذ يستطيع الكاتب أن يجمع الوقائع تحت عنوان جذاب، وأن يصل بينها بعبارات محكمة، وأن يجعلها تبدو أجزاء من نسق واحد، فيما تكون الصلة من صنع لغته أكثر مما هي من طبيعة مادته، وحينئذ تصبح لغة الكاتب حجابًا يحول دون الفهم، ويغدو ما يظنه اكتشافًا إسقاطًا لتصوراته على موضوعه. من هنا، تحتاج هذه السلسلة إلى وقفة تبين ما تبحث عنه، وبأي معنى تستخدم كلمة “الفكر”، وما الذي تعده شاهدًا عليه، وهي وقفة في صميم العمل. فالقراءة التي تتسع موضوعاتها، وتتعدد عناوينها، تحتاج إلى مراجعة أساسها، حتى تظل الأسئلة قادرة على توجيه الكتابة، وحتى لا تتحول الكتابة المتتابعة إلى مبرر لاستمرارها.
والفكر المقصود هنا هو: “جملة التصورات التي تتصل بفهم الواقع، وتقدير الممكن، وترتيب الأولويات، واختيار الوسائل، وتحديد الغايات”، وقد تظهر هذه التصورات في تفسير مشكلة، أو تعليل قرار، أو المفاضلة بين مسارين، أو بيان ما ينبغي أن يتغير وما يستحق البقاء، وتكتسب قيمتها التفسيرية حين تتجاوز المناسبة الواحدة، ويستدل على امتدادها من شواهد متعددة، لكل منها سياقه وحدوده. ولا يشترط وجود هذا الفكر أن يكون صاحبه قد صاغه في كتاب نظري، أو رتبه في أبواب ومصطلحات، فالممارسة السياسية والتنموية تنتج أسئلتها في مواجهة الواقع، وقد تتكشف أصول النظر فيها من طريقة التعامل مع الوقائع.
غير أن غياب الكتاب النظري يضاعف مسؤولية صانع القراءة؛ لأنه يتولى جمع المادة وتصنيفها، ويقترح الروابط بين أجزائها، وعليه أن يوضح أين ينتهي النص وأين يبدأ استنتاجه.
ولذلك، فإن وقوع المنجز لا يكفي وحده لإثبات الفكرة التي نفسره بها، فقد تتحقق نتيجة واحدة عبر دوافع مختلفة، وقد يخدم إجراء واحد غايات متعددة، وافتتاح مؤسسة، مثلًا، يثبت وجودها ووظيفتها المعلنة؛ أما دلالتها على تصور أشمل لعلاقة الدولة بالمجتمع، فتحتاج إلى ما يتجاوز خبر الافتتاح.
وهنا يبدأ الفرق بين تسجيل الحدث وبناء المعرفة به: أي تفسير تؤيده الشواهد، وأي تفسير أضافته رغبة الكاتب؟
ينبغي، تبعًا لذلك، التمييز بين ما تحقق، والتفسير المعلن له، والدلالة التي تستخلصها القراءة منه، وهذه مستويات تتصل، لكنها لا تتطابق، فالمنجز واقعة تفحص، والتفسير قول يقرأ في سياقه، والدلالة استنتاج يحتاج إلى حجة. وكلما اختلطت هذه المستويات، أصبح من السهل أن ننسب إلى الوقائع ما لم تثبته، وإلى الأقوال ما لم تقله، ثم نتعامل مع استنتاجنا بوصفه حقيقة مقررة.
وحينما نقرأ فكر سمو الأمير محمد بن سلمان، تكون خطبه وأقواله المباشرة في المقابلات والكلمات والتصريحات مادة أساسية لفهم طريقته في النظر والتعليل، وتساعد الوثائق والبرامج والقرارات على فحص الصلة بين التصور وتطبيقاته، ولكل مادة وزنها؛ فتصريح يشرح سبب اختيار مسار معين يتيح من الفهم ما لا يتيحه خبر يعلن اكتمال مشروع، والوثيقة التي تحدد هدفًا تقدم دليلًا على القصد، فيما يحتاج تقدير بلوغ ذلك الهدف إلى أدلة أخرى.
ويتقوى الاستنتاج حين نجد منطقًا يتكرر في مسائل مختلفة: كيف تعرَّف المشكلة؟ وما الذي يعد عائقًا؟ وعلى أي أساس ترتب الأولويات؟ وكيف تقدر كلفة التأجيل؟ تتيح هذه الأسئلة البحث عما يصل بين القرارات، من غير افتراض أن كل القرارات تنبع من علة واحدة، فقد يجتمع في القرار الاعتبار الاقتصادي والاجتماعي والأمني، وتتفاوت أوزانها بحسب الظرف؛ وهو ما ينبغي أن تتسع له القراءة، عوض أن تختصره في عبارة شاملة.
وتحتاج القراءة أيضًا إلى فحص ما يعارض استنتاجها؛ فإذا بدا لها أن مبدأً معينًا يحكم عددًا من المواقف، وجب أن تبحث عن مواقف لا يمكن تفسيرها بهذا المبدأ، وأن تتبين حدود انطباقه، وأن تنظر في احتمال وجود تفسير آخر أكثر قدرةً على فهم تلك المواقف، فالاستثناء قد يكشف ضعف الفرضية، وقد يكشف شرطًا أغفلناه، وقد يدل على تغير في التقدير، وفي الحالات جميعًا، يكون حفظ الواقعة كما هي أجدى من تأويلها قسرًا لحماية البناء الذي اقترحناه.
والزمن جزء من هذا الفحص؛ إذ لا يصح جمع قولين تفصل بينهما سنوات، ثم محاكمة الصلة بينهما مع إغفال ما تغير خلالهما، فقد يبقى المقصد وتتبدل الوسيلة، وقد تتسع المعرفة فتتغير الأولوية، وقد تكشف التجربة حاجة إلى المراجعة، ولهذا فإن البحث عن فكر في الممارسة يستلزم تتبع حركته، والتمييز بين تطور التصور، وتغير أدواته، والاستجابة لظرف عابر، أما افتراض اكتماله منذ البداية، فيحمل البدايات معرفة النهايات، وهذا ما لا تسوغه القراءة المنهجية. وهنا تتحدد مسؤولية هذه السلسلة: أن تقدم قراءة يمكن للقارئ أن يتبين أدلتها، ويناقش انتقالاتها، ويميز بين درجات اليقين فيها، فالإعجاب بالمنجز باعث مفهوم على التأمل، لكنه لا يغني عن البرهنة، والتقدير يكتسب عمقه حين يستطيع أن يشرح ما يقدره، وبقدر ما نحرص على قيمة موضوعنا، ينبغي أن نحرص على ألا نقول عنه أكثر مما تسمح به مادته.
إذن: هل وراء المنجز فكرة؟ هو سؤال مفتوح على البحث، تتكون إجابته بقدر ما تتساند الشواهد، ويتضح التعليل، وتثبت الصلات، ومهمة هذه القراءة أن تجعل انتقالها من المنجز إلى الفكر انتقالًا مفهومًا وقابلًا للفحص؛ فالفكرة التي تستحق أن تنسب إلى صاحبها، تستحق أولًا أن نقيم الدليل على وجودها.