وبحسب ما ورد في الرسالة، بدأ المحامي الاجتماع بالسؤال عن نوع الذكاء الاصطناعي الذي كان يستخدمه ماتياس، قبل أن يشير، وفق رواية العائلة، إلى أن النسخ الحديثة والمتطورة من “ChatGPT”، ولا سيما النسخ المدفوعة، تتضمن ما سمّاه “قدرات استدلال عاطفي”، معتبرًا أن هناك حالات أخرى و”ضحايا آخرين” قد يكونون مرتبطين بإشكاليات مشابهة.
وأكدت العائلة أنها تعمل حاليًا على نقل الأدلة والوثائق من السلطات اللبنانية إلى الولايات المتحدة، تمهيدًا لرفع دعوى رسمية ضد الشركة، مشددة في الوقت نفسه على ضرورة رفع مستوى الوعي لدى الأهالي، وعدم ترك الأطفال والمراهقين يخوضون نقاشات حساسة مرتبطة بالمشاعر أو الحياة والموت مع أنظمة الذكاء الاصطناعي، من دون رقابة أو متابعة مباشرة.
وفي موازاة الجدل المتصاعد، حذّرت الإعلامية والأستاذة الجامعية لارا نون في حديث إلى “ليبانون ديبايت”، من تنامي ما وصفته بـ”العلاقة العاطفية والنفسية” التي قد تنشأ بين بعض المراهقين وأنظمة الذكاء الاصطناعي، معتبرة أن الخطر لم يعد يقتصر على وسائل التواصل الاجتماعي فقط، بل بات يمتد إلى تطبيقات ذكية قادرة على التفاعل مع المستخدمين بأسلوب يبدو إنسانيًا ومعقّدًا في آن واحد.
وترى نون أن الخطورة الحقيقية تكمن في طبيعة الجدليات التي قد يدخل فيها المراهق أو المستخدم مع هذه الأنظمة، خصوصًا عندما تتعلق بأسئلة فلسفية ووجودية مرتبطة بالحياة والموت والمعنى والخوف والعدم، مشيرة إلى أن بعض النقاشات قد تدفع الأشخاص الأكثر هشاشة نفسيًا أو الذين يعيشون حالات حساسة، إلى الانغماس تدريجيًا في أفكار سوداوية أو قناعات خطيرة.
وتستعيد نون حادثة الشاب الأميركي الذي تعلّق عاطفيًا بشخصية افتراضية مولّدة عبر الذكاء الاصطناعي، قبل أن تنتهي القصة بمأساة، بعدما دفعه تعلّقه النفسي إلى الانعزال والدخول في عالم افتراضي مغلق، في قضية أثارت حينها جدلًا عالميًا واسعًا حول الحدود النفسية والأخلاقية للذكاء الاصطناعي.
وفي هذا السياق، يأتي تحرّك أهل ماتياس، الذين أعلنوا التوجّه نحو رفع دعوى قضائية ضد الشركة المطوّرة لـ”ChatGPT”، كمحاولة لفتح نقاش أوسع حول مسؤولية شركات التكنولوجيا، وحدود الذكاء الاصطناعي، وضرورة وضع ضوابط واضحة لحماية الأطفال والمراهقين.
وأكدت نون أن “المواجهة لا تكون بالخوف فقط، بل بالوعي والمراقبة والانخراط الحقيقي في حياة الأولاد اليومية”، داعية الأهالي إلى حماية أبنائهم من هذا “العالم المتوحش“، عبر ملء أوقاتهم بالنشاطات الاجتماعية والرياضية والموسيقية واللقاءات العائلية، وإعطائهم المساحة الكافية للتعبير عن مخاوفهم وهواجسهم وأسئلتهم.
كما شددت على أهمية “إعادة إحياء العلاقات العائلية اليومية، من خلال الجلوس حول مائدة واحدة، وتخصيص وقت فعلي للعائلة، وخلق مساحة للحوار والاحتواء بدل العزلة الرقمية التي تبتلع المراهقين بصمت”.
ورأت أن “اللقاءات الروحية والإيمان والامتنان والحديث عن المعنى الحقيقي للحياة، كلها عناصر أساسية يحتاجها الجيل الجديد اليوم أكثر من أي وقت مضى، في مواجهة عالم سريع وقاسٍ ومليء بالتأثيرات النفسية الخطيرة”.
كذلك، دعت نون إلى “فرض حصص توعوية داخل المدارس حول مخاطر العالم الرقمي والذكاء الاصطناعي، ليس فقط للأطفال بل للأهل أيضًا”، معتبرة أن المجتمعات العربية لا تزال تتعامل بخفة مع التحولات النفسية التي تفرضها التكنولوجيا الحديثة.
ولفتت إلى أن “بعض الدول بدأت بالفعل اتخاذ إجراءات صارمة في هذا الإطار”، مشيرة إلى القرار الصيني المتعلق بإغلاق حسابات ومواقع لأشخاص يقدّمون محتوى خارج اختصاصهم أو يروّجون لمعلومات مضللة عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
وختمت برسالة مؤثرة دعت فيها إلى “عدم السماح بأن تمرّ فاجعة ماتياس كخبر عابر”، مؤكدة أن المجتمع بات بحاجة فعلية إلى “دقّ جرس الإنذار، وإلى يقظة جماعية تحمي الأطفال والمراهقين بالصلاة، والمتابعة، والحوار، والوعي، قبل أن تسبقهم التكنولوجيا إلى عزلتهم وأسئلتهم الأكثر هشاشة”.