غير أن المؤمن يعلم أن الحزن لا ينافي الرضا، وأن الدمع لا يعارض الصبر، فقد بكى رسول الله ﷺ وقال: «إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا». إنها سنة الله في خلقه، لا كبير يبقى لكبره، ولا صغير يؤخر لصغره، ولا غني يفتدي بماله، ولا صاحب جاه يدفع عنه قدر الله. كلنا سائرون في طريق واحد، يختلف موعد الوصول ولا تختلف النهاية.
ما دفعني لكتابة هذه الكلمات أنني لم أكتبها من وراء مكتب، ولا من وحي خبر قرأته، إنما كتبتها بعدما طرق الحزن بابنا مرات متتابعة.
فقد ودعنا والدنا، ثم لحقت به والدتنا، رحمهما الله، ولم تكد القلوب تستعيد شيئًا من سكينتها حتى فقدنا أخانا عبدالعزيز، ثم قبل أسابيع قليلة ودعنا أخانا الغالي حسن بن محمد آل الشيخ، رحمهم الله جميعًا رحمة واسعة.
وحين تتوالى الفواجع، يدرك الإنسان أكثر من أي وقت مضى أن الدنيا ليست دار بقاء، وإنما دار عبور، وأن أعمارنا مهما طالت فإنها لحظات معدودة، وأن خير ما يحمله الإنسان معه إلى قبره عمل صالح وذكر حسن ودعاء صادق ممن أحبوه.
ولم تكد أيام العزاء تمضي حتى بلغنا نبأ رحيل الأخ والصديق: اللواء ضاحي بن شاهر النهاري، رحمه الله، فأعادتني وفاته إلى سنوات الطفولة في مدينة أبها إلى حي البديع، حيث كانت الجيرة الصادقة، والبيوت التي كانت مفتوحة بالمحبة قبل الأبواب.
عرفت والده شاهر النهاري، رحمه الله، وكان نعم الجار، كريم الخلق، طيب المعشر، وكانت أسرته الكريمة مثالًا للأصالة والوفاء.
وبقيت تلك الذكريات الجميلة محفورة في الذاكرة.. لا تمحوها السنون.. ثم مضى الابن الكريم إلى جوار ربه، بعد حياة حافلة بالعطاء وخدمة وطنه، فلم يبق إلا الدعاء والذكر الطيب والسيرة الحسنة.
ثم ودعنا رجلًا عرفه الناس بالبذل والعمل والوفاء هو الشيخ هيف بن محمد بن عبود القحطاني، رحمه الله، رجل أعمال نجح في ميدان التجارة، لكنه نجح قبل ذلك في كسب محبة الناس بما عُرف عنه من الخير والإحسان والمواقف الإنسانية، وحرصه على خدمة المجتمع والوقوف مع المحتاجين.
عرفت الفقيد من خلال مسيرته العملية، ولقاءات جمعتنا. كما عرفت عددًا من أبنائه البررة وفي مقدمتهم ابنه علي، الذي نسأل الله أن يوفقه وإخوانه، وأن يكونوا خير امتداد لوالدهم، فصلاح الأبناء من أعظم ما ينتفع به الآباء بعد رحيلهم وهو من البشائر التي أخبر بها رسول الله ﷺ..
وهنا يقف الإنسان مع نفسه وقفة صادقة، ماذا سيبقى منا بعد الرحيل؟ هل ستبقى الأموال؟ أم المناصب؟ أم البيوت؟
كلا.. لن يبقى إلا ما قدمناه لله، وما تركناه في قلوب الناس من محبة، وما خلفناه من أثر طيب وما يجري لنا من دعاء وصدقة وعلم نافع.
إن أجمل البر بالراحلين، ألا ينقطع الدعاء لهم، وأن تُبرأ ذممهم، وتنفذ وصاياهم، وتوصل أرحامهم، ويُتصدق عنهم، ويُستغفر لهم.
فهذه هدايا لا تنقطع، تؤنس وحشتهم، وترفع درجاتهم بإذن الله..
ومن نعم الله أن يرزق الإنسان أبناء صالحين، يذكرونه في دعائهم، ويحفظون اسمه وسيرته، ويكملون طريق الخير الذي سار عليه.
فكم من أبٍ رحل ولا يزال ميزان حسناته يزداد بدعوة ولد، أو صدقة جارية، أو عمل صالح غرس بذرته في حياته.
ولعل أعظم ما نتعلمه من هذه المواقف أن نبادر إلى الصفح قبل الفراق، وإلى صلة الرحم قبل الانقطاع، وإلى الكلمة الطيبة قبل أن يصمت اللسان، وإلى الإحسان قبل أن يحال بين الإنسان وعمله.
فالقبور مليئة بأناس كانوا يخططون لغدٍ لم يدركوه، وبيوتهم ما زالت تحتفظ بأحاديثهم، ومقاعدهم ومصاحفهم، وأشيائهم التي كانوا يظنون أنهم سيعودون إليها.
رحم الله من سبقونا، فقد تركوا في القلوب فراغًا لا يملؤه إلا الدعاء، وذكريات لا تمحوها الأيام، وآثارًا طيبة تبقى ما بقي من يذكرها.
وأخيرًا… إذا كان لنا من وصية بعد هذه الفواجع المتتابعة فهي:
تصالحوا قبل أن يحول الموت بينكم، وبروا والديكم ما داموا بينكم، وصلوا أرحامكم، وأكرموا جيرانكم، وأحسنوا إلى الناس، وأكثروا من الصدقة والاستغفار. فما يدري أحدنا متى يكون اسمه هو الخبر التالي الذي يتناقله الناس.. فلنترك أثرا طيبا فيما يتناقله الناس قبل الرحيل.