فالقرآن هنا لا يقرر شبهة، ولا يساوي بين الحق والباطل، وإنما يعلّم الإنسان كيف يحاور المخالف دون استفزاز أو تجريح أو مصادرة. وكأن المعنى: دعنا نبحث عن الحقيقة بهدوء، فإن كنا مخطئين فوزرنا علينا، وإن كنتم مخطئين فوزركم عليكم.
وقد جسّد النبي ﷺ هذا الخلق في حياته كلها، فلم يكن فاحشاً ولا متفحشاً، بل قال: “إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه”. فكم من باب أغلقه الجدل وفتحه اللطف، وكم من قلب نفرته القسوة واجتذبته الكلمة الحسنة.
وفي زمنٍ أصبحت فيه المنصات الرقمية ساحاتٍ للمشاحنات، تزداد حاجتنا إلى هذا الأدب القرآني الرفيع؛ أن نناقش الفكرة دون تحقير صاحبها، وأن نختلف دون أن نتخاصم، وأن نطلب الانتصار للحق لا الانتصار للنفس.
إن قوة الحجة لا تُقاس بحدة العبارة، كما أن ضعف الرأي لا يعالجه الصراخ. وأحياناً تكون أعظم انتصارات الحوار أن يخرج الطرفان باحترام متبادل، حتى لو لم يتفقا في كل شيء.
هكذا يعلمنا القرآن أن الحقيقة لا تفقد هيبتها إذا لبست ثوب التواضع، وأن المؤمن الواثق من برهانه لا يحتاج إلى التعالي على الناس، لأن الحق في ذاته عالٍ، وصاحبه يزداد رفعةً كلما ازداد أدباً.
احصل على Outlook for Android