بصفتي طبيبًا يراقب أثر البيئة في الجسد، وأديبًا يقرأ روح المكان، أرى أن تحويل مدننا إلى فضاءات صديقة للإنسان هو أعظم استثمار صحي. حين نرى «المسار الرياضي» في الرياض أو «واجهات جدة» البحرية، نحن لا نرى مجرد مسارات للمشاة، بل علاجًا حقيقيًا لأمراض العصر. فالمساحات الخضراء والمفتوحة ليست ترفًا، بل هي مضادات حيوية طبيعية ضد «العزلة الاجتماعية» و«الاكتئاب» الذي تفرضه حياة المدن الصاخبة.
تخبرنا الأرقام الطبية أن «الخمول البدني» هو المحرك الأول لأمراض السكري والسمنة. وهنا يأتي دور «أنسنة المدن» كجزء من رؤية 2030؛ فتشجيع المشي وركوب الدراجات وتهيئة الأماكن لممارسة النشاط البدني، يسهم في تقليل الضغط على المستشفيات وخفض الإنفاق الصحي. إنها سياسة «الوقاية خير من العلاج» لكنها مطبقة على مستوى تخطيط المدن، حيث تصبح المدينة شريكا للطبيب في رحلة الحفاظ على صحة المواطن.
أنسنة المدن هي الرسالة الأعمق لجودة الحياة؛ إنها تجعل من مدننا مكانًا لا نعيش «فيه» فحسب، بل نعيش «به» ومعه.
نحن اليوم لا نبني مبانٍ شاهقة فقط، بل بيئة صحية، ملهمة، ومستدامة، تليق بإنسان هذا الوطن وتضمن له مستقبلًا يكون فيه الجسد سليمًا والروح مطمئنة.