ومجالس المناطق ليست مجرد إطار إداري لمناقشة الاحتياجات المحلية؛ بل ركيزة مهمة في منظومة التنمية؛ فهي الأقرب إلى تفاصيل المنطقة والأقدر على استشراف احتياجاتها وترتيب أولوياتها، ومتابعة مستوى الخدمات والمشروعات فيها، ونقل تطلعات المواطنين إلى مسارات العمل المؤسسي. ومن هنا تكتسب عضوية هذه المجالس أهميتها؛ فهي مسؤولية تتطلب معرفة دقيقة بالمنطقة ووعيًا بالتحولات الوطنية، وقدرة على تحويل الاحتياجات والتحديات إلى رؤى ومقترحات عملية.
وقد أحسن التنظيم حين جعل إمارة المنطقة ومجلسها في قلب هذه المنظومة؛ فالتنمية المتوازنة لا تُبنى برؤية مركزية بمعزل عن خصوصية المكان، كما لا تحقق غاياتها بمعالجة محلية منفصلة عن السياسات الوطنية. والنجاح الحقيقي يكمن في التقاء الرؤيتين: رؤية وطنية تحدد الاتجاه، ومعرفة محلية تستحضر الأولويات والاحتياجات والفرص. وفي هذا السياق تبرز العلاقة بين مجالس المناطق ومجلس الشورى، بوصفها أحد مسارات التكامل المؤسسي التي حرصت الدولة منذ سنوات على تعزيزها، من خلال التوجيهات المستمرة بأهمية التواصل وتبادل الزيارات والحوار بين الجانبين كلٌّ في إطار اختصاصاته. وقد ترسخ هذا النهج عمليًا عبر اللقاءات والزيارات المتبادلة انطلاقًا من أن التعاون بين مؤسسات الدولة لا يعني تداخل الاختصاصات، وإنما تكامل المعرفة والخبرة بما يخدم المصلحة العامة. فمجالس المناطق تنطلق من معرفة قريبة بالواقع المحلي واحتياجاته التنموية والخدمية وأولويات مشروعاته، بينما يمارس مجلس الشورى اختصاصاته من منظور وطني أشمل، من خلال دراسة الأنظمة واللوائح، ومناقشة الخطط والسياسات العامة وتقارير أداء الأجهزة الحكومية. وهذا الاختلاف في زاوية النظر هو ما يمنح التواصل بينهما قيمته؛ فحين تلتقي معرفة الميدان بالرؤية الوطنية تصبح الصورة أكثر اكتمالًا وتصبح الأولويات والحلول أكثر اتصالًا بالواقع. ومن هنا تأتي أهمية الزيارات واللقاءات بين الجانبين؛ فالزيارة ليست غاية بروتوكولية، والاجتماع ليس مناسبة عابرة وإنما فرصة للاستماع وتبادل المعرفة ومناقشة القضايا والتحديات المشتركة. فعندما تزور لجان مجلس الشورى المناطق وتلتقي مجالسها، تقترب مباشرة من الواقع الذي تتصل به كثير من التقارير والسياسات والأنظمة التي تناقشها، وفي المقابل يتيح ذلك لمجالس المناطق الاطلاع بصورة أوسع على القضايا والتوجهات المطروحة على المستوى الوطني.
وقد لمستُ، من واقع تجربتي عضوًا في مجلس الشورى، وهي تجربة أعتز بها، الأثر الكبير لهذا التواصل والتكامل مع مجالس المناطق؛ إذ شهدنا أفكارًا ومشروعات تنموية انطلقت من تلك المجالس، ثم وجدت عبر الزيارات المتبادلة واللقاءات مع أعضاء اللجان المتخصصة في مجلس الشورى كلٌّ في نطاق اختصاصه، مساحة أوسع للنقاش والتطوير، وأسهمت التوصيات النوعية المنبثقة عنها في تعزيز جودة عدد من المشروعات ودعم مساراتها. وما يعزز أهمية هذا النهج ما تحظى به تلك التوصيات من متابعة مستمرة ودقيقة من المقام الكريم، ومتابعة ما تحقق منها، وتضمين ذلك في التقرير السنوي لمجلس الشورى بما يؤكد أن هذه الزيارات ممارسة مؤسسية ذات أثر في دعم التنمية وتحسين جودة القرار.
ولعل التشكيل الجديد لمجالس المناطق يمثل مناسبة لتعميق هذا النهج وأن يواكبه تطوير وتحديث الآليات المنظمة للزيارات المتبادلة بين مجلس الشورى ومجالس المناطق؛ لتكون أكثر انتظامًا وتركيزًا على الأولويات والنتائج، مع تعزيز اللقاءات بين اللجان المتخصصة والمجالس حول الموضوعات المشتركة، والاستفادة من الخبرات المحلية وتبادل الدراسات والمعلومات ذات العلاقة؛ بما يثري النقاش ويساعد على تشخيص التحديات وبناء الحلول.
ولا يتطلب ذلك إنشاء اختصاصات جديدة أو هياكل موازية، بقدر ما يحتاج إلى ترسيخ ثقافة التكامل المؤسسي والاستفادة المثلى من الأطر والصلاحيات القائمة. فالقيمة المضافة للمؤسسات لا تتحقق بكثرة الهياكل وإنما بكفاءة الاتصال بينها، وقدرتها على تحويل تنوع الرؤى والخبرات إلى معرفة مشتركة تخدم القرار والتنمية. وفي ظل رؤية السعودية 2030، تتعاظم أهمية مناطق المملكة في صناعة التحول الوطني فلكل منطقة ميزاتها وفرصها واحتياجاتها وتحدياتها. ولذلك فإن الدور المأمول من مجالس المناطق يتجاوز رصد الاحتياجات إلى الإسهام في استشراف المستقبل التنموي، وطرح المبادرات ومتابعة الأثر، وتعزيز التكامل بين الجهات، بما يجعل من خصوصية المكان عنصر قوة داخل المشروع التنموي الوطني. كما يستطيع مجلس الشورى، بما يمتلكه من اختصاصات وطنية ولجان متخصصة وتنوع في الخبرات، من خلال استمرار تواصله مع مجالس المناطق، تعزيز البعد الميداني في أعماله وتوسيع دائرة المعرفة التي يستند إليها في مناقشة القضايا ذات الصلة بالمناطق.
التشكيل الجديد لمجالس المناطق فرصة لتجديد الحيوية في عملها وتعظيم أثرها التنموي، ومناسبة للتأكيد على استمرار نهج التواصل والتكامل بينها وبين مجلس الشورى، والبناء على ما تحقق وتطوير آلياته بما يجعله أكثر فاعلية وقابلية لقياس الأثر. فالتنمية في جوهرها ليست عمل مؤسسة منفردة بل حصيلة تكامل مؤسسات تعرف أدوارها، وتتشارك المعرفة، وتلتقي عند غاية واحدة تنمية المكان والارتقاء بحياة الإنسان.