رينيه ويليك (1903- 1995) قامة نقدية أسهمت في ترسيخ الدراسات الأدبية أكاديمياً، لا سيما في مجال النظرية الأدبية والأدب المقارن. وتميز منهجه بتكامل صارم بين التنظير والتاريخ والممارسة النقدية، رافضاً الفصل بين هذه الأبعاد، إذ دعا إلى دراسة الأدب وصفياً وتفسيرياً وتقييمياً، مع الربط بين النظرية الأدبية (المبادئ العامة)، والنقد الأدبي (دراسة الأعمال الفردية)، والتاريخ الأدبي (السياق والتطور).
أما أوستن وارن (1899-1989) فقد وصف نفسه بأنه «ناقد قديم متجدد»، بما يعكس موقعه كجسر بين النقد التقليدي والاتجاهات البنيوية الحديثة. وهو يرفض الالتزام بمنهجية واحدة، مستخدماً أدوات متعددة يراها مناسبة لكل نص على حدة، وكان همه الأول النص الأدبي نفسه مقروءاً بعين فاحصة وحس جمالي دون انغلاق داخل أطر نظرية جامدة.
وبعد استعراض سيرة المؤلفين، يتبقى تلخيص الكتاب، حيث يُعد من النصوص المؤسسة للمنحى الشكلاني الجديد الذي يمزج بين البنية الداخلية والسياق [بدلاً من «النقد الجديد»]، إذ يسد الفجوة المنهجية في بعض الدراسات الأدبية التي لا تميز بين الحقول الثلاثة: نظرية الأدب، والنقد الأدبي، وتاريخ الأدب. ويطرح المؤلفان إشكاليتين أساسيتين: الاختزالية التاريخية والعلمية، والانطباع الذاتي في النقد، مؤكدين ضرورة تأسيس نظرية أدبية تعنى بالأدب ذاته وبطبيعته.
وينطلق الكتاب من سؤال منهجي محوري: هل الدراسة الأدبية علم أم تاريخ؟ ويُفصل ذلك عبر محاور رئيسة، بدءاً من نقد النموذج العلمي الذي يرفض تطبيق مناهج العلوم الطبيعية على الأدب، لما ينتج عنه من تعميمات فارغة تفشل في فهم خصوصية العمل الأدبي. وكذلك نقد النموذج التاريخي الذي يحصر الأدب في جمع حقائق عن حياة المؤلف وبيئته، محولاً النص إلى وظيفة سيكولوجية أو سوسيولوجية. كما يرفض النقد الذاتي الانطباعي الذي ينفي العلمية ويغرق في ذاتية غير قابلة للتحقق. ويرفضان أيضاً استعارات «النشوء والاضمحلال» في كتابة التاريخ الأدبي لأنها مقتبسة من العلوم الطبيعية.
ومن هنا يقدم الكتاب حلاً وسطاً يقوم على أن العمل الأدبي يجمع بين الخاص والعام، وهو فردي التشكيل، لكنه يتضمن بديهيات تسمح بدراسته منهجياً وقابلاً للتعميم. ويؤكدان أن العمل الأدبي ليس نفسياً ولا مادياً، بل «كيان معياري» قائم في نظام من الاحتمالات، مستفيدين من نظرية إنغاردن في الطبقات الأربع: طبقة الأصوات، المعاني، الصور والموضوعات المتجلية، والأنظمة المتجهة.
وينتقل إلى محور آخر يؤكد فيه أهمية التمييز بين القراءة والدراسة الأدبية؛ فالقراءة الناقدة الذكية شرط ضروري للمعرفة الأدبية، لكنها نشاط شخصي لا يُعد دراسة منظمة تستند إلى مفاهيم عامة. ومن هذا المنطلق، يرى المؤلفان أن النظرية الأدبية هي الأداة الأساسية التي يفتقر إليها البحث الأدبي، فهي الوسيلة للانتقال من الجزئي إلى العام، ومن الوصف إلى التفسير والتقويم.
ويعرض الكتاب نقداً للمناهج التي تفسر الأدب خارج النص نفسه، ومنها:
أولاً: الأدب والسيرة: يعترفان بأهمية السيرة في فهم بعض الجوانب الإبداعية، لكنهما يرفضان استخدامها معياراً نقدياً لتقويم العمل الفني.
ثانياً: الأدب وعلم النفس: يُقران بدور التحليل النفسي في إضاءة عمليات الخلق أو الشخصيات، لكنه لا يصلح كأداة حكم فني لأن الأدب ليس وثيقة سريرية.
ثالثاً: الأدب والمجتمع: يتفقان على ارتباط الأدب بسياقه الاجتماعي، دون اختزاله إلى وثيقة اجتماعية أو أيديولوجية.
رابعاً: الأدب وتاريخ الأفكار: ينتقدان التعامل مع الأدب كوعاء للأفكار الفلسفية أو الدينية أو السياسية، مع ضرورة استخراج قيمه الجمالية أولاً.
وينتقلان بعد ذلك إلى دراسة العمل الأدبي من الداخل، ويعرفانه بأنه «نظام طبقي من قواعد» (أو معايير)، أي كيان جمالي قائم بذاته وليس أثراً مادياً. ويحللان عناصره مثل التناغم الصوتي والإيقاع والوزن، بوصفها عناصر دلالية تسهم في إنتاج المعنى.
ويعرض الكتاب أربعة مستويات رئيسة للتعبير المجازي:
· الصورة: لاستحضار الحسي المباشر.
· المجاز: لنقل المعنى عبر المشابهة.
· الرمز: كلمة أو عبارة تشير إلى شيء آخر وتكتسب دلالتها من السياق.
· الأسطورة: بنية سردية تنظم التجربة الإنسانية وفق أنماط كلية.
ويشير الكتاب إلى تطور التعبير من البساطة التصورية إلى التعقيد الرمزي والأسطوري، ثم ينتقل إلى البنية السردية والنوع الأدبي، حيث تتكون مكونات السرد من الحدث والشخصية والزمان والمكان ووجهة النظر، ويُعد النوع الأدبي إطاراً يوجه عملية التلقي والخلق.
ويخصص المؤلفان فصلاً لنقد الممارسة النقدية التقليدية التي تكتفي بالسرد بدلاً من تتبع تطور الأدب بوصفه عملية ديناميكية تشمل النشوء والنضج والتحول وأحياناً الاضمحلال. كما يناقشان في الفصول الختامية مشكلات النقد مثل النسبية والاحتكام إلى المعايير الأخلاقية، مؤكدين أن القيمة الأدبية تنبع من الوحدة العضوية والتنوع في الوحدة وشمولية المنظور [إضافة إلى التعقيد] التي تحقق وحدة عضوية للعمل الفني.
وينتقل الكتاب أخيراً إلى علاقة الأدب بالفنون الأخرى، ومحاولة تطبيق مفاهيم من الفنون البصرية كالعمارة والرسم والنهضة والباروك الأدبي، مع التحذير من المبالغة في المقارنة، إذ إن لكل فن وسائطه الخاصة.
وخلاصة إسهام نظرية الأدب يمكن حصرها في نقاط محددة:
· تأسيس النظرية الأدبية.
· التمييز بين المناهج الخارجية والداخلية.
· التركيز على «الأدبية» بوصفها جوهر الدراسة الأدبية، لكن ليس بالمفهوم الشكلي الضيق (كما عند ياكوبسون)، بل بما يشمل اندماج المحتوى الفكري والأخلاقي عضوياً في الشكل.
وتعد تجربة المترجم عادل سلامة عام 1989حدثاً محورياً في حركة النقد العربي الحديث، إذ سدت فجوة معرفية في المكتبة العربية، وأسهمت في نقل الباحثين والدارسين إلى أدوات منهجية ونظرية متطورة تثرى الفكر وتدفعه إلى مزيد من الدقة في التعامل مع الظاهرة الأدبية.