مكيفات لا تتوقف، ومصابيح تظل مضاءة، وأجهزة كهربائية تعمل بلا حاجة، وأبناء يخرجون من غرفهم أو من المنزل، وكأنهم تركوا وراءهم شيئًا لا يترتب عليه حساب!
كان أبو محمد يكرر عليهم:
«طفوا اللمبات… طفوا المكيفات التي لا تحتاجون إليها».
لكن نصائحه تحولت مع الوقت إلى مادة للمزاح، حتى أصبح بعض أبنائه يقولون له:
«يا أبونا، أنت مزودها معنا حبتين!».
كان يبتسم أحيانًا، ويغلق بنفسه ما وجده يعمل دون فائدة، حتى جاء يومٌ طفح فيه الكيل.
وفي إحدى جلساتهم الأسرية قال لهم:
«من اليوم لن أتدخل في موضوع استهلاك الكهرباء، ولن أقول لأحد: طف المكيف أو اللمبة… لكن عندي شرط واحد: فاتورة الكهرباء سيتناوب على سدادها كل موظف في المنزل، شهرًا بعد شهر».
ثم قال مبتسمًا:
«ونبدأ بحبيبنا وبكرنا محمد».
كان محمد أكثر أبنائه اعتراضًا على نصائح والده، ولذلك لم يدرك أن القرار سيجعله أول من يتلقى الدرس!
وبالفعل، تغيّر أبو محمد بعد ذلك تمامًا.
أصبح يقول:
«خلونا نتبرد ونستنير وننبسط 24 ساعة… لا أحد يطفي شيئًا!».
وإذا وجد مكيفًا أو مصباحًا مغلقًا، شغّله بنفسه، وهو يردد العبارات التي كان أبناؤه يمازحونه بها من قبل.
ومضى الشهر سريعًا…ةصدرت الفاتورة، وكانت المفاجأة.
كانت الفاتورة في السابق، مع حرص أبي محمد، أقل من ألفي ريال، لكنها هذه المرة تجاوزت أربعة آلاف ريال!
ناول أبو محمد الفاتورة لابنه محمد وقال بكل هدوء:
«الدور عليك يا ولدي… سدد» والشهر المقبل إن شاء الله الدور على (ياسر) وبعده الدور على (سارة) وهكذا دواليك.
أمسك محمد برأسه، وبدأ يحسبها، بينما سارع إخوته إلى مطالبة والدهم بالتراجع عن قراره.
لكن أبا محمد أصر.
هنا فقط فهم الأبناء لماذا كان والدهم يكرر عليهم: «طفوا اللمبات… طفوا المكيفات».
لم يكن أبو محمد يريد أن يحرمهم من الراحة، ولا أن يضيّق عليهم؛ كان يريد أن يعلمهم أن النعمة لا تعني الإسراف، وأن ما لا نشعر بتكلفته قد يكون له ثمن كبير.
اعتذر الأبناء من والدهم، وتعاهدوا جميعًا على ترشيد استهلاك الكهرباء، وألا يتركوا جهازًا يعمل دون حاجة.
وهكذا نجح أبو محمد في درسٍ لم تنجح فيه كثرة النصائح:
بعض الدروس لا نتعلمها عندما نسمع ثمنها… وإنما عندما ندفع ثمنها.