وكثير من الناس يظنون أن متابعة كل حدث ضربٌ من الوعي، بينما الوعي الحقيقي ليس في كثرة الاطلاع، بل في القدرة على التمييز بين ما يستحق الوقوف عنده وما ينبغي أن يمر مرورًا كريمًا، فليس كل خبر يزيد علمًا، ولا كل نقاش يثمر فائدة، ولا كل قضية تستوجب أن تكون جزءًا من يوم الإنسان.
ومن علامات النضج أن يدرك المرء أن الإعراض عن بعض الأمور ليس جهلًا بها، وإنما اختيارٌ واعٍ لحفظ ذهنه من التشتت، فهو يرى كثيرًا مما يدور حوله، لكنه لا يمنح كل ما يراه مساحةً في قلبه وعقله، لأنه يعلم أن كثرة الالتفات تضعف صفاء الفكر، وتستنزف الطاقة، وتبدد الوقت فيما لا يعود بخير.
وحين يعتاد الإنسان انتقاء ما يستحق اهتمامه، يصبح أكثر حضورًا في حياته، وأقدر على إتقان عمله، وأقرب إلى السكينة، لأنه لم يعد يوزع وعيه على كل طارئ، ولم يجعل يومه رهينًا لتقلبات الأخبار أو ضجيج الأحداث،
وهكذا يكون فن الإعراض عما لا ينفع: أن يحسن الإنسان إدارة انتباهه، فيمنحه لما يزيده علمًا، أو يقربه من خير، أو يعينه على أداء واجب، ويصرفه عما سوى ذلك.
فليس كل ما يمكن معرفته ينبغي أن يُشغل به العقل، ولا كل ما يقع أمام العين يستحق أن يدخل الوعي.. وإنما الرشد أن يعرف المرء أين يضع اهتمامه، فإن جودة الحياة كثيرًا ما تبدأ من جودة ما نختار الالتفات إليه.