شهد القطاع الصحي السعودي خلال السنوات الأخيرة تطوراً كبيراً في بنيته التنظيمية، وتوسعاً في خدماته، وتسارعاً في برامج التحول. إلا أن هذا التسارع كشف في الوقت نفسه أن إدارة القوى العاملة لم تعد قضية توظيف أو شؤون موظفين، بل أصبحت قضية إستراتيجية تمس جودة الرعاية، وكفاءة الإنفاق، وتجربة المريض، وقدرة المنظومة الصحية على الاستمرار والتكيف.
ويأتي التقرير السنوي للمنظومة الصحية لعام 2025 ليعرض صورة واسعة لما تحقق في الوقاية، ونماذج الرعاية، والتغطية الصحية، والتحول الرقمي، وتكامل جهات المنظومة. ومن الدلالات المهمة أن التقرير أفرد للكوادر الصحية محوراً مستقلاً؛ لأن هذه الإنجازات، مهما بدت تقنية أو تنظيمية، لا تتحول إلى أثر ملموس إلا عبر ممارس صحي مؤهل يعمل في البيئة المناسبة، وبالأدوات والصلاحيات والعدد الذي يسمح له بأداء دوره بكفاءة.
كما جاء نقاش مجلس الشورى للتقرير ليضع اليد على جانب عملي لا يجوز أن تضيع أهميته وسط مؤشرات الإنجاز، حين طالب وزارة الصحة بمعالجة فجوات التوظيف، وتغطية الاحتياج من الكوادر والتخصصات الصحية في جميع المناطق والمحافظات. وهذه المطالبة لا تعني بالضرورة أن المشكلة هي نقص عددي عام؛ فقد يتزامن وجود خريجين يبحثون عن فرص مع عجز فعلي في تخصصات أو مواقع بعينها. وهنا تظهر الفجوة بين وفرة العدد وصحة التوزيع، وبين المؤهل الموجود والمهارة المطلوبة.
ومن هنا يبرز مفهوم «الهندسة الإستراتيجية للقوى العاملة الصحية». والمقصود بالهندسة هنا ليس مجرد وضع خطة سنوية للوظائف، ولا إعادة توزيع بعض الشواغر عند ظهور أزمة، بل تصميم المنظومة البشرية كما تُصمم المنظومات المعقدة: تحديد الوظائف والمهارات المطلوبة، وربط مكوناتها بعضها ببعض، واختبار قدرتها على الاستجابة للتغير، ثم قياس نتائجها وتصحيح مسارها باستمرار.
ويتمثل البعد الأول لهذه الهندسة في فهم الاحتياج الصحي للسكان، لا في تكرار الهياكل الوظيفية الموروثة. فالتقدم في العمر، وارتفاع الأمراض المزمنة، والتحول نحو الوقاية والرعاية المنزلية، واتساع الصحة الافتراضية، كلها تغير نوع القوى العاملة المطلوبة. وقد تحتاج المنظومة إلى مزيد من أطباء الأسرة، والتمريض المتقدم، والتأهيل، والصحة النفسية، والمعلوماتية الصحية، وإدارة الحالات، أكثر مما تحتاج إلى نسخ التوزيع التقليدي نفسه داخل كل منشأة.
أما البعد الثاني، فهو تحويل هذا الاحتياج إلى «مزيج مهاري» مناسب، لا إلى أرقام مجردة. فالسؤال ليس: كم طبيباً أو ممرضاً نحتاج؟ بل: أي تخصص؟ وبأي مستوى من الخبرة؟ وفي أي فريق؟ وما المهام التي يمكن إعادة توزيعها بين المهن الصحية دون التأثير في السلامة؟ وما الذي يمكن تقديمه حضورياً، وما الذي يمكن دعمه عن بُعد؟ فرفع الإنتاجية لا يعني زيادة العبء على الممارس، بل إزالة الأعمال غير الضرورية، وتوظيف التقنية، وتمكين كل فئة مهنية من العمل ضمن كامل نطاق كفاءتها.
أما البعد الثالث فهو المكان. فلا يصح أن تُقاس كفاية القوى العاملة بالمعدل الوطني وحده، لأن المتوسط قد يخفي تفاوتاً كبيراً بين مدينة ومحافظة، أو بين مستشفى مرجعي ومركز رعاية أولية. وقد تكون المشكلة في بعض المواقع نقصاً في الكادر، وفي مواقع أخرى ضعفاً في الجذب أو الاحتفاظ، أو محدودية التدريب والإسكان والمسار المهني. ولذلك يجب أن تتضمن الحلول حوافز جغرافية، ومسارات تدوير وتدريب، ودعماً للخدمة عن بُعد، وربطاً بين المنشآت الطرفية والمراكز المرجعية.
والبعد الرابع هو الزمن. فإعداد طبيب متخصص أو ممرض متقدم لا يبدأ عند إعلان الشاغر، بل قبل ذلك بسنوات. ومن ثم ينبغي أن تتحول بيانات الاحتياج إلى إشارات مبكرة تصل إلى الجامعات، والهيئة السعودية للتخصصات الصحية، وبرامج الابتعاث والتدريب، بحيث تتوافق المقاعد والتخصصات مع احتياجات المنظومة المستقبلية، لا مع الطلب الاجتماعي أو القدرة التعليمية وحدهما. وبدون هذا الربط قد نستمر في إنتاج فائض في مجال، بينما نعالج عجزاً مزمناً في مجال آخر بالحلول المؤقتة.
ولا تنجح هذه الهندسة من خلال جهة واحدة. فوزارة الصحة تقود السياسة والتنظيم وتحدد الأولويات الصحية، وشركة الصحة القابضة والتجمعات الصحية تحوّل تلك الأولويات إلى نماذج تشغيل وقوى عاملة على أرض الواقع، وتتولى وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية تنظيم سوق العمل ودعم التوطين، بينما تضبط الهيئة السعودية للتخصصات الصحية معايير التأهيل والتدريب، وتسهم الجامعات والقطاع الخاص في بناء القدرات واستيعابها. والتحدي الحقيقي ليس في تعدد الجهات، بل في وجود منصة حوكمة تجعل قراراتها متسقة ومبنية على تصور وطني واحد.
وفي قلب هذه المنظومة يجب أن توجد قاعدة بيانات وطنية محدثة لا تكتفي بإحصاء الممارسين، بل توضح تخصصاتهم، ومهاراتهم، وأماكن عملهم، وأعباء عملهم، ومعدلات دورانهم، والطلب المتوقع على خدماتهم. عندها يمكن الانتقال من ردة الفعل بعد ظهور العجز إلى التنبؤ به، ومن التوظيف المتقطع إلى التخطيط متعدد السنوات، ومن قياس عدد العاملين إلى قياس أثرهم في الوصول والجودة والسلامة وتجربة المريض.
كما ينبغي ألا يُفهم الاحتفاظ بالكفاءات على أنه شأن مالي فقط. فالممارس يبقى حيث يجد قيادة عادلة، وبيئة آمنة، وفرصة للتطور، وعبئاً مهنياً معقولاً، وصوتاً في تحسين الخدمة. ولذلك فإن الهندسة الإستراتيجية تشمل الثقافة والقيادة والمسار المهني والصحة المهنية، لأن خسارة الكفاءة بعد سنوات من إعدادها ليست مجرد شاغر جديد، بل خسارة معرفة مؤسسية وخبرة تراكمية يصعب تعويضها.
إن المملكة تمتلك اليوم فرصة تاريخية لبناء منظومة قوى عاملة أكثر مرونة واستدامة، مستفيدة من رؤية المملكة 2030، ومن إعادة تشكيل أدوار وزارة الصحة وشركة الصحة القابضة والتجمعات الصحية، ومن القدرات المتنامية في البيانات والذكاء الاصطناعي. لكن اغتنام هذه الفرصة يتطلب الانتقال من إدارة الموارد البشرية إلى هندستها إستراتيجياً؛ أي من معالجة الشاغر إلى تصميم القدرة، ومن النظر إلى الموظف كتكلفة تشغيلية إلى النظر إليه كرأس مال وطني يصنع قيمة صحية واقتصادية.
وفي النهاية، قد يكون أهم ما يميز الأنظمة الصحية الرائدة ليس عدد مستشفياتها أو حجم ميزانياتها، بل قدرتها على توفير القوى العاملة المناسبة، بالمهارة المناسبة، في المكان المناسب، وفي الوقت المناسب. وعندما تتحقق هذه المعادلة، تصبح بقية عناصر التحول أكثر قدرة على تحقيق أثرها، ويغدو الاستثمار في الإنسان هو الاستثمار الأكثر استدامة، لأنه الأساس الذي تُبنى عليه جميع النجاحات الصحية.