فأصل التعليم ليس المعلومة وحدها، بل التربية، وأصل التربية أن يتعلم الإنسان كيف يراقب نفسه، وكيف يلتزم لأنه مؤمن بما يفعل، لا لأنه يخاف من جهاز أو توقيع أو مساءلة إدارية. فإذا زعزعنا هذه القيمة في نفس المعلم، فكيف نطلب منه أن يزرعها في طلابه؟ وإذا جعلنا المعلم مشغولًا بإثبات وجوده في المكان، فكيف نطالبه أن يصنع في الطالب معنى الوجود الحقيقي في الحياة؟
ليست المشكلة في الانضباط، فالمدرسة لا تسير بلا انضباط، ولكن الفرق كبير بين انضباط يحفظ العمل، وانضباط يتحول إلى غاية العمل، المعلم الذي ينهي يومه الدراسي قد يذهب إلى بيته وهو لا يزال يحمل أسئلة طلابه، ودفاترهم، ومستوياتهم، وقلقه على من لم يفهم، وفرحه بمن تقدم، هذه الأعمال لا تراها البصمة، لكنها هي التي تصنع الفرق الحقيقي في التعليم.
لذلك فإن قرارًا كهذا، معناه أعمق مما نعتقد؛ فهو لا يترك في نفس المعلم راحة من دوام أو عمل بالدقائق، بل يجعله يشعر أن استنفاده لمشاعره التي تجعله كل صباح يذهب إلى المدرسة بشعور أب لهذا الطالب وشعور الأخ الأكبر لذاك الطالب الآخر، بأن مشاعره هذه مقدرة وأنه أعطي الثقة ليعطيها لغيره، فاهتمام الوزير بالمعلم يعيد للمعلم له شيئًا من مكانته الطبيعية، ويقول له إننا نثق بك، وننتظر منك أثرًا لا مجرد بقاء في مبنى.
وحين يشعر المعلم أن الثقة عادت إليه، ستعود معه روحه إلى الفصل، وحينها، سيبدأ الطالب بتعلم الانضباط من الداخل لا من الخارج، فشكرا لكم يا وزارتنا، وكلما أردتم تعليما متميزا فتمنحوا مزيدا من الثقة إلى (المعلم وستأتي جودة التعليم).