لكن الثقل الحقيقي ليس في العطاء.. الثقل يكمن في الجانب الآخر أن تحتفظ في سويداء قلبك بمعروف صنع إليك وأن تبقيه حيا نابضا حتى بعد أن تتبدل الوجوه وتتغير الرياح ويصبح صانع ذلك المعروف خصما أو غريبا.
هذا الحفظ ليس ذكرى عابرة ولا عاطفة رخوة هو وفاء نادر يتجاوز المنفعة والمزاج وهو أن تقول لنفسك في ساعة الغضب أو الجفاء هذا الرجل مهما بلغ اليوم من البعد أو العداوة قد مد إلي يدا في يوم كنت فيه أضعف مما أبدو الآن.
كثيرون يجيدون صنع المعروف حين تكون الطريق ممهدة والقلوب مفتوحة، أما أن تظل مدينا بالجميل لمن صار خصما فذلك امتحان عسير للنفس، واختبار لصدق الامتنان، نفس لا تبيع ذاكرتها بثمن الخصومة، ولا تسمح للخلاف أن يمحو ما كان من إحسان.
المعروف الذي يصنع ثم ينسى حين تتغير الرياح يموت مرتين.. مرة في قلب الفاعل إن كان رياء ومرة في قلب المتلقي إن كان جاحدا.. أما المعروف الذي يحفظ رغم الخصومة فهو جذوة تحت الرماد لا تطفئها الرياح ولا تذيبها الأيام.
وفي هذا المعنى لطيفة قلما تدور على الألسن أن حفظ المعروف من الخصم أصدق دليل على نبل النفس من صنع المعروف للصديق، فالصداقة تسهل العطاء أما الخصومة فتمتحن الذاكرة وتكشف معدن الامتنان.
من يحفظ الجميل وهو في صف الود فقد أدى حق العشرة، أما من يحفظه وهو في صف الخلاف فقد أدى حق الإنسان نفسه ورفع قدر نفسه فوق نوازع الضغينة. وهكذا يتبين أن المعروف ليس فقط فيما تعطيه بل فيما ترفض أن تنساه.