تُدار عمليات القبول في الجامعات وفق معايير تنافسية، يأتي في مقدمتها المعدل أو النسبة الموزونة، حيث تستقطب التخصصات ذات الطلب المرتفع — كالبرامج الطبية والصحية والهندسية — الطلبة الأعلى تحصيلًا. وغالبًا ما يتمتع هؤلاء الطلبة بقدرٍ عالٍ من الجاهزية الذهنية والوعي الدراسي نتيجة تراكم خبراتهم في القراءة والاستذكار، الأمر الذي يجعل تحقيقهم مستويات متقدمة من التحصيل الأكاديمي أمرًا متوقعًا، حتى في ظل الحد الأدنى من التدخلات التشغيلية داخل البرنامج.
في المقابل، تواجه بعض البرامج الأكاديمية واقعًا مغايرًا، يتمثل في قبول طلبة ذوي معدلات أقل، وهي مؤشرات قد تعكس تفاوتًا في مستوى الاستعداد المعرفي أو الوعي التعليمي أو البيئة المحفزة على التعلم. وعلى الرغم من أن هذا التفاوت يعد ظاهرة طبيعية في مختلف الأنظمة التعليمية، فإن تحويله إلى مبرر لضعف المخرجات يُعد إخفاقًا في فهم الدور الحقيقي للمؤسسات التعليمية.
وهنا يبرز الإرشاد الأكاديمي بوصفه «رافعة تعليمية» قادرة على إعادة تشكيل مسار الطالب، وتعظيم استفادته من تجربته الجامعية. فالإرشاد الأكاديمي، في صورته المتقدمة، لا يقتصر على كونه إجراءً تنظيميًا لتسجيل المقررات، بل يمثل منظومة تدخل متكاملة تهدف إلى إحداث تحول نوعي في إدراك الطالب، ورفع مستوى وعيه، وتوجيه سلوكه الأكاديمي نحو مسارات أكثر فاعلية وإنتاجية.
إن وجود مرشدين أكاديميين مؤهلين، يعملون ضمن خطة إرشادية محكمة، يُمكّن البرامج الدراسية من تقليص الفجوة بين الطلبة، بل وتحويل نقطة الضعف الأولية إلى فرصة للنمو والتفوق. ومن خلال جلسات إرشادية فردية وجماعية، تمتد منذ التحاق الطالب بالجامعة وحتى تخرجه، يمكن إعادة بناء تصورات الطالب عن ذاته، وتخصصه، ومستقبله المهني، بما ينعكس إيجابًا على مستوى أدائه وتحقيقه لمخرجات التعلم.
ومن هنا، فإن النسبة عند القبول لا ينبغي أن تُقرأ بوصفها حكمًا نهائيًا على قدرات الطالب، بل مجرد نقطة انطلاق. أما التحول الحقيقي فيتشكّل داخل البرنامج عبر ما يُقدَّم من توجيه وإرشاد وبناء للوعي وتصحيح للمسار. وفي هذا السياق، ليس من المستغرب أن يتفوق طالبٌ دخل بمعدل منخفض على آخر بدأ بمستوى أعلى، إذا ما أُحسن توجيهه واستثمار طاقاته.
إن معيار نجاح البرامج الأكاديمية لا يُقاس بجودة مدخلاتها فحسب، بل بفاعلية مخرجاتها. ويُعد تحقيق الطلبة لما لا يقل عن 75% من مخرجات التعلم مؤشرًا أساسيًا على جودة البرنامج وقدرته على أداء رسالته. أما الإخفاق في بلوغ هذا الحد، فيعكس خللًا في المنظومة التعليمية، ويفوّت على الطالب فرصة ثمينة لا يمكن تعويضها بسهولة، وهي سنوات الدراسة الجامعية.
وبناءً على ذلك، فإن اختزال الإرشاد الأكاديمي في الجانب الإجرائي يُفرغه من مضمونه الحقيقي، ويحوّله إلى مجرد «تشغيل دراسي»، بينما الإرشاد في جوهره عملية تبدأ بتغيير الإدراك، وتُفضي إلى بناء الوعي، ومن ثم توجيه السلوك، وصولًا إلى مخرجات بشرية نوعية قادرة على التفاعل مع متطلبات سوق العمل بكفاءة واقتدار.
الجامعات لا تُقاس بقدرتها على استقطاب المتفوقين فحسب، بل بقدرتها على صناعة التحول في طلبتها. والإرشاد الأكاديمي حين يُفهم ويُمارس بوصفه رافعة حقيقية تستخدم لمضاعفة الاستفادة من الدراسة الأكاديمية، يصبح أحد أهم أدوات هذا التحول، وأحد أبرز مؤشرات نجاح البرامج الأكاديمية في تحقيق غاياتها التنموية والتعليمية.