وفي الوقت الذي احتفى فيه قطاع التأمين الصحي بإطلاق منتجات تسوق تحت شعار «بدون موافقات مسبقة»، أعلنت هيئة التأمين عن منظومة رقابية تقنية جديدة لرصد المطالبات التي تتجاوز مدتها الطبيعية. وقد تبدو هذه مفارقة لكنها في الحقيقة تعكس طبيعة التأمين الصحي، فالرقابة لا تغادر المنظومة وإنما تغير موقعها.
في الفيزياء «الطاقة لا تفنى ولا تستحدث من عدم وإنما تتحول من صورة إلى أخرى». ولعل أنظمة التأمين الصحي تخضع لمنطق قريب فالرقابة تعيد تموضعها كلما تغيرت أدواتها ويمكن أن نسمي ذلك «قانون حفظ الرقابة».
فكل نظام تأميني يقوم على معادلة بسيطة: موارد مالية محدودة، يقابلها طلب متزايد على الخدمات الصحية. ولا يمكن لأي نظام أن يستمر دون آلية تضبط استخدام هذه الموارد. فإذا تراجع دور الموافقات المسبقة فإن أدوات أخرى ستتولى الوظيفة نفسها. ومن هنا يصبح السؤال الحقيقي: أين انتقلت الرقابة، ومن يمارسها؟
تكشف التجارب الدولية أن الاستغناء عن الموافقات المسبقة غالبًا ما يقترن بواحد أو أكثر من ثلاثة مسارات لإدارة استخدام الخدمات الصحية: نقل جزء من المخاطرة المالية إلى مقدم الخدمة بحيث يصبح مطالباً بالموازنة بين القرار السريري وكلفته، أو تضمين القيود والاستثناءات داخل العقود بين شركة التأمين ومقدم الخدمة، أو التشدد في مراجعة المطالبات بعد تقديم الخدمة. وفي جميع هذه الحالات لا تختفي الرقابة وإنما تنتقل من موضع يراه المستفيد إلى موضع قد لا يراه.
لسنا أول من يواجه هذا السؤال، ففي تسعينيات القرن الماضي توسعت الولايات المتحدة في نماذج «الرعاية المدارة» (Managed Care) مع نقل جزء من مسؤولية ضبط استخدام الخدمات إلى مقدمي الرعاية، لكن التجربة واجهت انتقادات واسعة بعدما شعر كثير من المرضى أن الرقابة انتقلت إلى غرفة الكشف، فأصبح الطبيب بين اعتبارات المصلحة السريرية والحوافز المالية. ومع تصاعد الجدل فرضت متطلبات للإفصاح عن الحوافز المالية، انطلاقاً من أن الثقة لا تتحقق بمجرد تغيير أدوات الرقابة، وإنما بوضوحها وشفافية الإفصاح عنها. ولا يعني ذلك أن التجربة السعودية ستسلك المسار نفسه، لكنه يذكرنا بأن انتقال الرقابة دون شفافية يثير الأسئلة ذاتها مهما اختلفت الأنظمة.
لا يحدث هذا التحول في فراغ، فالعلاقة بين شركات التأمين ومقدمي الخدمة تشهد بطبيعتها شداً وجذباً بين اعتبارات الكلفة ومتطلبات الرعاية. وهذا أمر يمكن تفهمه في أي نظام تأميني، لكن ما لا ينبغي أن يبقى محل غموض هو الكيفية التي يتخذ بها القرار عندما تنتقل الرقابة من الموافقات المسبقة إلى ترتيبات لا يراها المستفيد، فكلما ازدادت الرقابة خفاء، ازدادت الحاجة إلى الشفافية.
فعندما ترفض شركة التأمين خدمة ما، يعرف المستفيد الجهة التي اتخذت القرار، ويملك وسائل واضحة للاعتراض. أما إذا أصبح الحد من استخدام بعض الخدمات جزءًا من ترتيبات تعاقدية بين شركة التأمين ومقدم الخدمة، فالقرار قد يتأثر باعتبارات لا يملك المستفيد وسيلة لمعرفة أثرها. وهنا تصبح الشفافية ضرورة لا ترفاً تنظيمياً.
نجاح أي نموذج جديد لا يقاس بمجرد الاستغناء عن الموافقات المسبقة، وإنما بوضوح الآليات التي استبدلت بها وشفافية الإفصاح عنها، وضمان استقلال القرار الطبي عن أي اعتبارات غير سريرية.
ولنكن منصفين فهذا لا يعني أن نماذج «بدون موافقات مسبقة» خديعة بالضرورة، فتبسيط رحلة المستفيد هدف مشروع والموافقات المسبقة بصورتها التقليدية أثقلت المرضى وأخرت العلاج، استنزفت وقت الأطباء والكوادر الصحية في أعمال إدارية لا تضيف قيمة علاجية، كما أن توجه هيئة التأمين نحو مراجعة هذه الممارسات يمثل خطوة تستحق التقدير.
غير أن أي نموذج جديد ينبغي أن يقاس بنتائجه لا بشعاراته فإذا كان الهدف تحسين تجربة المستفيد، فمن حقه أن يرى مؤشرات معلنة تثبت أن تبسيط الإجراءات انعكس فعلاً على سرعة حصوله على الرعاية، دون انتقال القيود إلى موضع آخر لا يراه.
من هنا أرى أن كل منتج يسوق تحت شعار «بدون موافقات مسبقة»، ينبغي أن يلتزم بثلاثة إفصاحات رئيسة:
نشر القيود والاستثناءات قبل شراء الوثيقة، والإفصاح عن أي ترتيبات مالية قد تؤثر في قرارات استخدام الخدمات، وإعلان مؤشرات دورية تبين نسبة الخدمات التي طلبت ولم تقدم. وهنا يأتي دور هيئة التأمين ومجلس الضمان الصحي لاعتماد هذه الإفصاحات جزءًا من معايير الحوكمة والشفافية لأي منتج يطرح تحت هذا الشعار. عندها فقط يستطيع المستفيد أن يميز بين تبسيط حقيقي للإجراءات وانتقال غير معلن للرقابة إلى موضع آخر.
في النهاية لا يهم المستفيد أين توجد الموافقة، إنما يهمه أن يعرف من يملك قرار علاجه وعلى أي أساس اتخذ، فالرقابة لا تختفي من المنظومة، بل تعيد تموضعها كلما تغيرت أدواتها. ولهذا فالسؤال الذي ينبغي أن يطرح على كل من يرفع شعار «بدون موافقات مسبقة» هو: أين ذهبت الموافقات؟