كلفت المفاوضات حربين، في أقل من عام، لكنها تراوح مكانها، بل زادتها أزمة مضيق هرمز تعقيداً. ولا تزال واشنطن وإسرائيل تلوحان باستئناف الحرب وقصف البنى التحتية للطاقة والمواصلات، فيما يتهمهما المرشد مجتبى خامنئي بمواصلة السعي إلى «إخضاع إيران» عبر إحداث «انقسامات وتفكك لتعويض الهزائم العسكرية». وكانت عملية «الإخضاع» واضحة في الشروط التي فرضتها الإدارة الأمريكية في الملف النووي، فخلال حرب الـ12 يوماً (يونيو 2025) طلب دونالد ترمب «استسلام إيران» ثم ردده أكثر من مرة، ولا يزال يتوقعه، باعتباره رئيس الدولة العظمى. لذلك باتت مراجع دبلوماسية كثيرة تميل إلى الاعتقاد بـ«استحالة» التوصل إلى اتفاق في أي تفاوض، فإدارة ترمب غير إدارة باراك أوباما، وما نقل عن ترمب أخيراً أنه لن يقبل بأي اتفاق لا يستوفي خطوطاً حمراء اختصرها في تدوينة بأمرين: «أن توافق على إيران على عدم امتلاك سلاح نووي» و«فتح مضيق هرمز فوراً من دون رسوم».
لكن، لماذا «الاستحالة»؟ أولاً، لأن الحرب بنيت على أساس أن النظام سيسقط كلياً وسيكون بديله ضعيفاً ومستعداً لقبول شروط الاستسلام إذا كان من داخله، أو يكون خاضعاً ومتعاوناً إذا كان من معارضيه في الخارج. وثانياً، لأن الثنائي المفاوض ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر بدأ مهمته مسكوناً برغبة ترمب وبنيامين نتنياهو في الانتهاء كلياً وجذرياً من البرنامج النووي، ولما وجد أن الجانب الإيراني متمسك بمفاوضات تقليدية سعياً إلى تسويات كان الرد مرتين باللجوء إلى الحرب. وثالثاً، لأن الإيرانيين جاؤوا إلى إسلام آباد شاهرين ورقة إغلاق مضيق هرمز فكان الرد بالحصار الأمريكي للموانئ الإيرانية، أي بأزمة مقابل أزمة. ومع إعلان ترمب رفع هذا الحصار لا تزال طهران تتوقع اعترافاً بسيادتها وإشرافها على إدارة المضيق وفرض رسوم لعبوره، ويصعب أن تحصل على هذه المكاسب لأن المضيق محكوم بالقانون الدولي وليس بتشريعات برلمانها.
زد إلى ذلك أن أهداف الطرفين وخطوطهما الحمراء متباعدة جداً، والأهم أنهما ينتميان إلى عقيدتين مترافضتين وعلى طرفي نقيض، وبدا دائماً أن تفاوضهما لا يبحث عن إجراءات حقيقية لـ«بناء الثقة» ولا يطمح في نهاية المطاف إلى «علاقة سلام». وإذ يفترض التفاوض الهادف، في حد أدنى، أن يكون هناك قبول متبادل بين الطرفين، فإن الجانب الأمريكي في هذه الحال يجلس مع ممثلي نظام عمل بجد لإسقاطه (قبل شهرين من الحرب عين المرشد علي خامنئي قادة عسكريين جدداً وطلب اعتماد تعيين بدلاء منهم). أما الإيرانيون فيجالسون ممثلي «الشيطان الأكبر» الذي تربوا على كرهه والعمل لإخراجه من عموم المنطقة الخليج… كل هذه الاعتبارات حالت دون خفض الحد الأقصى المطلوب أمريكياً بالنسبة إلى الملف النووي، وتحول دون قبول إيران بإعادة فتح المضيق بلا قيد أو شرط. بل إنها تحول دون توفير «ضمانات» لأي اتفاق يمكن التوصل إليه.
أياً تكن الاعتبارات فلا بد من «اتفاق»، فالنقطة التي يلتقي عندها الطرفان هي «إنهاء الحرب»، ولو اختلفت منطلقاتهما: إيران تطالب بضمانات وتعويضات (ربما تراها في رسوم عبور المضيق) لأن نظامها استطاع أن يبقى وهذا كاف لإعلانها «الانتصار». وأمريكا تعتبر أنها دمرت معظم القدرات العسكرية الإيرانية وتتوقع تلبية شروطها كي يتمكن ترمب من إعلان «الانتصار». وثمة بينهما إسرائيل، شريكة أمريكا، التي تراقب ولا تريد أي اتفاق، «جيداً» كان أم «سيئاً»، فهي مع استمرار ضرب إيران حتى تصبح مشلولة ولا تقوم لها قائمة، غير أن الإدارة الأمريكية اضطرت لحجب المعلومات عن المفاوضات عن إسرائيل بسبب تقديراتها الخاطئة.
دار نقاش في واشنطن عما إذا كان «اتفاق ترمب» الذي لم يولد بعد يمكن أن يكون أفضل من «اتفاق أوباما»، خصوصاً بعد الحديث عن رفع العقوبات وتسييل الأرصدة الإيرانية المجمدة. الفارق أن أوباما لم يحارب إيران وغض النظر عن تغولاتها الإقليمية، كما أنه لم يسع إلى «اعدام» البرنامج النووي بل إلى «اتفاق جيد» للطرفين، لكنه أخطأ في اعتقاده بأن إيران ستتصرف بعد الاتفاق كـ «دولة طبيعية» وأنها بمرور الوقت ستقبل على اصلاح علاقتها مع أمريكا، إلا أن خامنئي الأب خيب آماله، ثم جاء ترمب متحالفاً مع نتنياهو ومصمماً على كسر كل عناصر القوة الإيرانية.
* ينشر بالتزامن مع موقع «النهار العربي»