تزداد خطورة الظاهرة عندما تنشأ داخل الدولة جماعات أو ميليشيات مسلحة لا تخضع بصورة كاملة لمؤسساتها الشرعية، وتمتلك قدرات عسكرية وقرارات مستقلة، أو ترتبط بأجندات وتمويل وتوجيه من جهات خارجية. عندها تصبح الدولة أمام واقع خطير يتمثل في وجود دولة داخل الدولة، بما يعني تعدد مراكز القوة والقرار.
الدول المتحضرة تقوم على مبدأ أساسي، أن يكون السلاح والقرار العسكري تحت سلطة المؤسسات الشرعية، ويكون الجيش الوطني هو الجهة المسؤولة عن حماية الحدود والدفاع عن البلاد، أما وجود قوى مسلحة موازية تمتلك قرار الحرب والسلم فإنه يضعف الدولة ويجعل سيادتها منقوصة، ويمنح أطرافًا خارجية قدرة على التأثير في قرارها الوطني.
في هذا السياق لا يمكن تجاهل الدور الذي لعبته دول خلال العقود الماضية في دعم وبناء جماعات مسلحة في عدد من دول المنطقة، الأمر الذي أسهم في تعقيد أزمات تلك الدول وربط أوضاعها الداخلية بصراعات وحسابات إقليمية تتجاوز مصالح شعوبها.
هنا يبرز سؤال جوهري: ما معنى فصائل المقاومة إذا كانت للدولة نفسها جيوش وقوات مسلحة رسمية، مهمتها حماية أراضيها والدفاع عن سيادتها؟ لا خلاف على حق الدول في الدفاع عن نفسها لكن تحويل المقاومة إلى مبرر دائم لوجود سلاح خارج مؤسسات الدولة يخلق معادلة خطيرة، بوجود أكثر من مركز للقوة والقرار.
المشكلة لا تكمن فقط في وجود السلاح بل في من يمتلك قرار استخدامه، ولمن تكون الأولوية عندما يتعارض القرار الوطني مع حسابات خارجية؟ فالجماعة المسلحة التي تستطيع اتخاذ قرار عسكري من داخل أراضي دولة ما قد تجر تلك الدولة إلى مواجهة لا تريدها وتضع حكومتها أمام تداعيات أمنية وسياسية لا تملك السيطرة عليها.
مواجهة الإرهاب العابر للحدود يجب ألا يقتصر على ملاحقة التنظيمات المسلحة بل ينبغي أن يشمل أيضًا تجفيف مصادر تمويلها وتسليحها.
ومنع التدخلات الخارجية التي تؤدي إلى إنشاء كيانات مسلحة موازية للدولة.
استقرار أي دولة يبدأ من قاعدة واضحة: جيش وطني واحد وسلاح واحد وقرار سيادي واحد فلا يمكن بناء علاقات مستقرة بين الدول في ظل وجود جماعات مسلحة تستطيع تجاوز حكوماتها أو استخدام أراضيها لتنفيذ أجندات خارجية.
استعادة الدولة لسيادتها واحتكارها المشروع للسلاح والقرار العسكري ليست مسألة سياسية فحسب بل ضرورة لحماية الشعوب ومنع الفوضى والصراعات بالوكالة فكلما كانت الدولة قوية ومؤسساتها قادرة على بسط سلطتها على كامل أراضيها تراجعت فرص الإرهاب والتدخل الخارجي وأصبح الأمن والاستقرار واقعًا يمكن البناء عليه.