حماية الأمن القومي العربي لم تعد مرتبطة بالعمليات الأمنية المباشرة فحسب، بل أصبحت تعتمد بشكل أساسي على تجفيف منابع التمويل التي تغذي الحروب والكيانات غير الشرعية.
الركائز الإستراتيجية للمرحلة القادمة:
1. تفعيل الأطر القضائية القائمة: إن الدول العربية تمتلك بالفعل اتفاقيات قضائية وأمنية ثنائية وجماعية هامة. المرحلة الحالية تستوجب تفعيل هذه الاتفاقيات بشكل فوري وفاعل، بحيث تتحول من نصوص إلى إجراءات تنفيذية تطال الممولين والواجهات المالية للكيانات المخربة.
2. تأسيس محكمة عربية للجرائم الاقتصادية: نقترح إنشاء كيان قضائي عربي متخصص ومستقل، يمتلك صلاحيات واضحة في التحقيق وإصدار الأحكام المتعلقة بالجرائم المالية العابرة للحدود. هذا الكيان سيعمل كأداة ضغط فاعلة لمواجهة بطء الأطر الدولية في التعامل مع التهديدات التي تمس أمننا الإقليمي.
3. الرقابة الاقتصادية المشتركة: يجب الربط بين الانخراط في المشاريع التنموية الكبرى في المنطقة وبين «معايير الامتثال المالي». لا ينبغي أن تُتاح الفرصة لأي كيان أو فرد متورط في تمويل صراعات مسلحة للمشاركة في نهضة وتنمية أوطاننا. إن فرض هذه المعايير هو أداة ضرورية لضمان نزاهة الاقتصاد الإقليمي وحمايته من الاختراق.
4. تجميد الأصول المشبوهة: يجب منح الهيئات المختصة صلاحية التجميد الفوري للأصول والأرصدة المالية التي يثبت تورطها في عمليات التهريب أو التمويل غير المشروع، كإجراء احترازي ووقائي يقطع شريان الإمداد عن أذرع الفوضى.
الخلاصة:
تحقيق الأمن القومي والإقليمي يتطلب إرادة سياسية موحدة لفرض النظام المالي والأمني الذي يحمي مصالح شعوبنا. إن التحول من التنسيق التقليدي إلى «السيادة القضائية والمالية الموحدة» هو السبيل الأمثل لقطع الطريق على كل من يسعى لتقويض استقرار المنطقة. إن أمننا الاقتصادي هو خط الدفاع الأول، وحمايته مسؤولية مشتركة تتطلب منا عملاً جاداً، مباشراً، ومستمراً، بعيداً عن أي حسابات لا تضع المصلحة العربية العليا فوق كل اعتبار.