ولم تكن مصيبة الأمم يوم ضلَّت أنها فقدت العقول، وإنما كانت يوم جعلت العقول خَدَمًا للأهواء، فما عادت تبحث عن الحق، وإنما تبحث عما يؤيد ما سبق أن آمنت به. ومن هنا تبدأ رحلة الانحدار؛ إذ يتحول البرهان إلى تابع، والعقل إلى شاهد زور، والنص إلى خادم للرأي، بعد أن كان الرأي خادمًا للنص.
وما أكثر الذين يزعمون أنهم يطلبون الحقيقة، فإذا جاءت على غير ما يحبون، أعرضوا عنها إعراض من يخشى أن تهدم صنمه. إنهم لا يكرهون الباطل دائمًا، وإنما يكرهون الحق إذا خالفهم. فليست القضية عندهم في صحة الفكرة أو فسادها، وإنما في كونها فكرتهم أو فكرة غيرهم.
ومن دقائق النفس الإنسانية أنها إذا أحبت رأيًا، ألبسته من الفضائل ما ليس فيه، وإذا أبغضت رأيًا، حمّلته من الرذائل ما ليس منه. فالحب والبغض يغيِّران ألوان الحقائق، كما يغيِّر السرابُ صورة الصحراء، فيحسب الظمآن أن البيداء ماء، وما هي إلا خدعة البصر، وكذلك الهوى يخدع البصيرة.
ولذلك كان العلماء الكبار أقل الناس تعصبًا لآرائهم؛ لأنهم يعلمون أن الحقيقة أكبر منهم، وأن الحق لا يُعرف بالرجال، ولكن الرجال هم الذين يُعرفون بالحق. وكلما ازداد المرء علمًا، ازداد شعورًا بضآلة علمه، ورأى أن اجتهاده مركبٌ يعبر به البحر، لا جزيرةٌ يسكنها إلى الأبد.
أما أصحاب الضجيج، فإن أحدهم قد يبني حول رأيه أسوارًا من الغضب، فإذا ناقشته، ظن أنك تنازعه ذاته، لا فكرته؛ لأن الرأي قد امتزج عنده بالأنا، حتى صار الرجوع عنه انتقاصًا لكرامته، لا تصحيحًا لفهمه. وهنا يغدو الحوار معركة، ويصبح الانتصار للنفس أسبق من الانتصار للحقيقة.
ومن أعجب المفارقات أن بعض الناس يفر من عبادة الحجر، ثم يقع في عبادة الفكرة؛ فلا يكسر صنمًا من صخر، حتى يقيم في قلبه صنمًا من رأي. وكلا الصنمين يشتركان في علة واحدة؛ وهي أن الإنسان يمنحهما من التقديس ما لا يستحقان، ويمنع عنهما معول النقد، فيبقيهما قائمين، وإن تهدمت حولهما براهين الأرض كلها.
الدين جاء ليحرر الإنسان من سلطان الهوى، لا ليمنحه وسائل جديدة يقدس بها هواه. وجاء ليعلِّمه أن العصمة للوحي، وأن البشر يؤخذ من قولهم ويُرد، وأن الرجوع إلى الحق رفعة، لا مذلة، وشجاعة، لا هزيمة. فما ضعف عالمٌ لأنه قال: أخطأت، ولكن ضعف من أصر على الخطأ بعد ظهوره؛ لأن الكِبر إذا دخل العقل، خرجت منه الحكمة.
وما أحوجنا في زمن الاستقطاب إلى أن نفرق بين الثوابت والاجتهادات؛ فالثابت يُصان، والاجتهاد يُناقش، والدليل يُتبع، والرجال يُحترمون دون أن يُقدَّسوا. فإن أول الطريق إلى الحق أن نؤمن أن آراءنا ليست نحن، وأن الكرامة لا تنقص إذا غلبنا الدليل، بل إن أشرف الانتصارات أن ينتصر الإنسان على نفسه قبل أن ينتصر على غيره.
فإذا رأيت رجلًا يغضب لرأيه أكثر مما يغضب للحق، ويخاصم لأفكاره أكثر مما يخاصم للفضيلة، ويزن الناس بميزان الموافقة لا بميزان الصدق، فاعلم أن الرأي قد خرج من كونه اجتهادًا، ودخل معبدًا لا ينبغي أن يدخله إلا الوحي.
وما أكرم العقل حين يعرف حدَّه، وما أشرف القلب حين يسلِّم للحق؛ فإن الحقيقة لا تحتاج إلى أن نعبدها، وإنما تحتاج إلى أن نتبعها.