تحليل المشهد الميداني يضعنا أمام حقائق لا تقبل التأويل؛ فبينما تحاول القوى الموالية للخارج تصوير الحادثة كاعتداء على السيادة، نجد أن هذه الميليشيات – كتائب حزب الله والنجباء وعصائب أهل الحق – هي من أفرغت السيادة العراقية من مضمونها منذ أكثر من عقد.
لقد استباحت هذه الفصائل مناطق شاسعة، وحولت مناطق «منزوعة السكان» إلى ثكنات عسكرية، ومخازن للصواريخ، وسجون خاصة، بعيدًا عن أعين الجيش والشرطة.
وفي جانب آخر من المشهد، يتجلى «الفساد الجنائي» كأداة للسيطرة؛ فحملات ضبط المليارات المخبأة في باطن الأرض وأحواض السباحة ليست سوى انعكاس لعملية نهب منظم لثروات الشعب العراقي، تهدف إلى تمويل شبكات الولاء الخارجي وتفتيت البنية الاقتصادية للدولة. إنها دورة شيطانية: نهب للموارد، يتبعه شراء للولاءات، وصولًا إلى اختطاف القرار السيادي.
أما على الصعيد الاجتماعي، فالحديث عن التأثير الثقافي يجب أن يتجاوز الشائعات ليرصد الحقيقة الأعمق؛ وهي تآكل «السيادة الاجتماعية». قوننة التغيرات في سن الزواج، والتأثير في قانون الأحوال الشخصية، هي محاولات لإعادة هندسة المجتمع العراقي قسريًا، وهو ما يفسر حالة الغليان الشعبي الذي يرى في عروبة العراق وتاريخه الممتد ضحية لهذا التدخل.
الدم العربي في العراق يغلي لأنه يدرك أن أرضه تُستخدم وقودًا لأجندات لا تمت له بصلة.
استهداف مواقع الميليشيات لا يحمل أي دوافع طائفية، فنحن شيعة وسنة يدًا واحدة لقيام السيادة ودحر أي تدخل أجنبي.
الدفاع عن سيادة المملكة والعراق ليس طائفية، بل واجب إستراتيجي، والرد على العدوان ليس طغيانًا، بل ضرورة أمنية.
العراق العربي، بعمقه الحضاري وتاريخه، لا يستحق أن يكون «جيشًا موازيًا» أو «منصة إطلاق»، هو يستحق دولة حقيقية تحتكر السلاح، وتحمي حدودها، وتستعيد هويتها العربية. كل ما عدا ذلك، هو احتلال مقنّع لن يزيده إلا تفككًا، ما لم تكن هناك إرادة حازمة تقطع دابر التدخلات وتستعيد قرار بغداد من أيدي الوصاية الأجنبية.