وهم يدخلون الكعبة زمرا، فإذا احتوتهم لم يجد من يكون بينهم فرصة تفكير أو استجمام… فلما خلت مكة من غير أهلها وآن لي أن أغادرها، فكرت في تحقيق غرضي بإتمام هذه الزيارة وقيل لي يوما إن سادن الكعبة يفتح بابها بعد صلاة الظهر، فأقمت بالمسجد أنتظر لكنه لم يحضر إلى العصر، ولم يفتح الباب بقية ذلك اليوم.
إذ ذاك رجوت مضيفي أمين العاصمة فكتب إلى الشيخ الشيبى ينبئه بما أريد. ورد السادن ردا رقيقا ضرب لنا فيه موعدا ضحى الغد.
وذهبت في الموعد، فطفت في البيت وصليت بمقام إبراهيم وبحجر إسماعيل، ثم عدت إلى المقام قبالة باب الكعبة أنتظر فتحه، وكان مطوفنا يتنطس أخبار السادن خيفة أن يطول بنا انتظاره، وأقبل الشيخ الشيبي بعد سويعة في لباسه الضافي وسار خدم الكعبة من ورائه، ورآهم الناس فتفرقوا عند الباب، ووضع الخدم السلم وصعدوا عليه وفتحوا باب البيت ودخلوا إليه، ولم يؤذن بالدخول لغيرهم، وسألت في ذلك، وعلمت أنهم يكنسون الكعبة ويطلقون فيها البخور، ولما أتم القوم واجبهم وقف السادن بالباب وأشار إلي، فتقدمت ممتلئ النفس خشوعا وإكبارا. أنا أعلم مما قرأته أن الكعبة ليس بداخلها شيء منذ أن طهرها النبي العربي من الأصنام يوم فتح مكة، ولقد دخلت قبل اليوم هياكل ومحاريب من آثار مصر يرجع تاريخ بنائها إلى بضعة آلاف من السنين خلت، كما دخلت متاحف ومعابد في بلاد أوروبا المختلفة، ولقد كنت أشعر في الكثير من هذه الأماكن بالهيبة والإجلال، لكن شعوري ساعة تقدمت لأصعد إلى الكعبة كان غير هذا الذي شعرت به في هذه الأماكن، كان شعورا قويا عميقا آخذا بمجامع القلب صادرا من أعماق الروح، ملك علي كل وجودي فجعلني أتعثر في مشيتي وأنا أخطو إلى الدرج، وما أكاد أرفع بصري إلى باب الكعبة. وكيف لا يأخذني الخشوع والإكبار وأنا أصعد إلى بيت اللّه، وأنا أؤمن أن اللّه أكبر من كل كبير في الأرض أو في السماء!
استرجعت التاريخ، كانت الكعبة في تلك الساعة التي دخلها محمد فيها هيكل الوثنية والشرك كما كانت هيكلهما قبل ذلك أجيالا وأجيالا، أما والإسلام ينكر الشرك ويدعو إلى التوحيد كما دعا إليه إبراهيم منذ أقام البيت، فليعد بيت الّله هيكل التوحيد كما كان. لذلك أمر محمد. فطمست الصور وحطمت الأصنام وألقيت إلى ظهورها وطهرت الكعبة من كل أثر لها، وعادت إليها بساطة التوحيد ومهابته بمعناه الروحي السامي، توحيه إلى من يطوف بها أو دخل إلى جوفها فتوجه قلبه إلى الله وحده، له وحده الحمد وله الملك وإليه يرجع الأمر كله. يا لعظمتها ساعة من ساعات التاريخ تلك التي طهر محمد الكعبة فيها من فنون الشرك وآثامه !
لقد تمثلت لي مناظرها جميعا واضحة جلية في بهاء جلالها كأنها تمر أمام باصرتي على شاشة بيضاء بل كأنها تحيا في عالمنا من جديد مرة أخرى، وجعلت أشهدها وأنا واقف على عتبة باب الكعبة فتمتلئ بها روحي، وتتغذى بها نفسي فيزيدني ذلك تعظيما لموقفي، وإكبارا للرسول الكريم الذي محا آية الضلال، ثم تنفرج شفتاي عن كلمة هي جماع هذه الرسالة الروحانية العظمى:
«لا إله إلا الله، الله أكبر».
1057*
*أديب وسياسي مصري (1888 – 1956)