وفي هذا السياق المتسارع، تقف الحكومة بمؤسساتها الإعلامية والثقافية أمام مسؤولية تتجاوز حدود التنظيم واللوجستيات؛ إذ تظل البنية التحتية الحديثة، على أهميتها، جسدًا بلا روح ما لم تُحَط بخطاب إعلامي ذكي ومستدام يتكثف من الآن وبلغات الأرض كلها، ليس لقول «نحن هنا» فحسب، بل ليشرح للعالم بعمق «مَن نحن». والحقيقة التي لا يجمّلها التفاؤل هي أن بناء هذا الخطاب أصعب بكثير من بناء الملاعب؛ فالإسمنت يُسكب في قالب محدد، أما الصورة الذهنية عن أمة فتُصنع في عقول لا نملك مفاتيحها كاملة، وتُهدم أحيانًا بخبر واحد عابر تطير به الخوارزميات أسرع من أي حملة تواصلية معدّة بعناية. لذا لم يعد ينبغي للآلة الإعلامية والدبلوماسية أن تتعامل مع هذه الاستحقاقات كـ«مواسم» مؤقتة، بل كإستراتيجية ممتدة تعرف أن صناعة الثقة أبطأ من صناعة الإثارة، وأن المايسترو الحقيقي لا يقاس بضبطه لإيقاع الترقب العالمي فحسب، بل بقدرته على الصمود حين تنشز نغمة غير متوقعة في وسط السيمفونية.
ولأن الضيف الذي سيقطع آلاف الأميال لن يتذكر طويلًا جودة المقاعد في المدرجات، بقدر ما سيتذكر طعم القهوة السعودية، ودفء الابتسامة، والشهامة التي سيتلمسها في الشوارع والميادين، إذا الرهان الحقيقي ينتقل مباشرة إلى وعي المواطن الذي سيمثل «السفير فوق العادة» في هذه الملحمة الحضارية. وهنا تكمن المفارقة الجميلة والمخاطرة معًا: فبخلاف الإستاد أو القطار السريع، أو مدى ارتفاع الأبراج، لا يمكن لهذا «السفير» أن يُبنى بقرار أو يُموَّل بميزانية؛ هو ابن وعي تراكمي، وتربية، وإحساس صادق بأن الترحيب ليس واجبًا مفروضًا من فوق بل امتداد طبيعي لخُلق عربي أصيل.
المطلوب من المواطن على ثرى هذه الأرض الطاهرة اليوم ليس الانبهار بالآخر، بل الإبهار بأصالتنا، وتقديم برهان حي على أن الانفتاح على العالم لا يعني ذوبان الهوية، بل هو المنصة الأجمل لإبراز إرثنا الإسلامي والعربي وقيمنا الرصينة بأبهى صورها؛ فنحن قادرون على أن نكون معاصرين وحداثيين، وفي ذات الوقت متمسكين بجذورنا، وزينا الوطني، وعاداتنا التي تنضح بالكرم والترحيب. لكن ليعلم أن هذا التمسك بالهوية وسط فيض من الوافدين والصور والثقافات ليس أمرًا يُضمن تلقائيًا، بل هو معركة وعي يومية، يخسرها من يتنازل عن جوهره ظنًا أنه يكسب رضا الضيف، ويربحها من يفهم أن أصدق صور الترحيب هي تلك التي تأتي من إنسان واثق من نفسه لا يحتاج أن يتنازل عن شيء ليلقى القبول لدى الآخر.
ومن هنا، يتكامل التخطيط الرسمي الملهم مع الوعي الشعبي الأصيل ليقود الشباب السعودي دفة هذا التواصل، سواء كان دليلًا سياحيًا في الميدان أو صوتًا واعيًا على منصات التواصل الاجتماعي، مؤكدين للعالم أن الحداثة يمكن أن تصافح الأصالة دون أن تلغيها؛ غير أن صناعة هذا الجيل من «السفراء» تحتاج استثمارًا حقيقيًا في تعليمهم وتمكينهم، لا الاكتفاء بالتغني بدورهم المنتظر.
إن المملكة وهي تقف على أعتاب هذا المنعطف التاريخي الذي سيغير وجه السياحة والثقافة في المنطقة لعقود قادمة، تقدم نموذجًا مذهلًا لبلدٍ يطير بأجنحة المستقبل بينما تقف أقدامه بثبات راسخ على أرض التاريخ والقيم؛ ومع ذلك، يبقى الطيران الحقيقي مرهونًا بصدق هذا الثبات لا بضجيج الإعلان عنه.
الدرب ممهد، والمسرح جاهز، والتحدي الأكبر لم يعد في بناء المسرح بل في الأداء المميز؛ فحين تُفتح الأبواب ونقول للعالم بامتلاء من الفخر: «أهلًا بكم في السعودية»، فإن الفخر الحقيقي لن يكون في الجملة نفسها، بل في كل تفصيل صادق يجعل الضيف يصدقها.