«قيمة الكاتب ومهمته أن يزيل عن القارئ هذا الذهول الذي كثيراً ما يقع فيه، فينساق في عادات فكرية وعقائد تاريخية حتى يتحجر».قرأت هذه الكلمة أخيراً لأحد أعلام الفكر العربي المعاصر، فرأيتها تعبر أدقّ تعبير وأصدقه عن أمريْن اثنيْن: عن مهمة الكاتب، وعن أسباب هذا التحجر يصيب أفكار جمهرة من الناس، حتى يؤدّي هذا التحجر إلى تعطيل كثير من القوى الإنسانية العظيمة في الشعب.أما مهمة الكاتب، فهي هي هذه المهمة التي ما تزال تؤكد الدعوة إلى الأخذ بها في الفن والأدب والعلم والصحافة والسياسة جميعاً، وهي هي هذه المهمة التي يكون الكاتب، حين يهملها، إنساناً طفيليّاً يعيش في الناس كما تعيش الحشرة الطفيْلية، أو النبتة الطفيلية تمتصُّ غذاء غيرها، فتنمو وتمتدّ طويلاً، أو تتسلّق عالياً، ولكنْ لا من أجل أن تنفع الغيرَ شيئاً، بل من أجل أن تُضعفَ قوى الحياة فيه.وأما التحجر الذي تقصد إليه هذه الكلمة المعبّرة الصادقة فهو هو هذه الظاهرة التي ما تزال تبسط يدها الساحرة في حياتنا الفكرية والاجتماعية، فإذا بنا في غمرةٍ من الذهول تطفو وترسب فيها من غير إرادة واعية متميّزة، من غير أن نفطن إلى كثير من هذه «العادات الفكرية»، وهذه «العقائد التاريخية» التي تتحكم بنا، وتتولّى هي تصريف أمورنا وتستبدّ بتفكيرنا، وتلازمنا ملازمةَ سيطرة وتقييد واستعباد، حتى يكون منّا هذا الذي نرى اليوم من تحجّر، وجمود، وتأخّر عن القافلة السائرة، وتعطيل لقوانا الإنسانية العظيمة المذخورة.هناك آراء، وأفكار، وعادات، وعقائد، ومقاييس قائمة في رؤوسنا تملك إرادتنا، وتستعبدُ تفكيرنا، وترسم لنا طرائق السلوك الشخصي والاجتماعي، دون أن تعرفَ مصدرَها ومأتاها، دون أن يراودنا طيفٌ من الشك والريْبة بأمرها، دون أن نسألها يوماً: ما أنتِ؟ من أين جئتِ؟ كيف اتصلتْ بيننا وبينكِ الأسباب ومتى ستنقطع؟ ماذا لديكِ من ذخائر القوة لكي نأخذ من قوّتك، وماذا فيكِ من جراثيم الضعف والفساد لكي ننفيَ عنكِ الضعف والفساد: ولأيّ زمن أنتِ تصلحين لكي نلائم بين زمننا وبينكِ؟.تقوم فينا اليوم آراء وأفكار وعادات وعقائد ومقاييس لا تصلح، بعد، إلا لزوايا التاريخ، فإذا بقينا ذاهلينَ عنها مسوقينَ بإرادتها، تحجّرت بنا الحياة، فإذا نحن كتلة من جمود، وإذا قوانا الإنسانية يدبُّ إليها العفَن والتفسّخ والانحلال، ثم إذا بنا نحن معها في زوايا التاريخ.* 1951* باحث وأكاديمي لبناني «1910 – 1987».
Source link