كل إنجاز يحتاج شاهدًا، وكل خطوة تحتاج تصفيقًا، وإن لم تُرَ، كأنها لم تحدث.. هنا يتحوّل الإنسان من صانع معنى إلى جامع مقارنات، ومن كائن يسير بإيقاعه إلى عدّاء ماراثوني يلهث لتحطيم توقيت غيره.. والمقارنة في أصلها أداة فهم؛ نقيس لنفهم، ونقارن لنتعلّم، لكنها حين تنفصل عن السياق تتحوّل إلى ظلمٍ ناعم.. نقارن نتائجنا ببدايات غيرنا، ونقارن تعبنا اليومي بلحظات منتقاة من حياة الآخرين، ثم نخرج بالحكم الجائر ذاته: نحن أقل.. ما لا نراه في المقارنة أكثر مما نراه.. لا نرى الطرق الطويلة، ولا الخسارات الصامتة، ولا الليالي التي لم تُلتقط لها صور.. نرى القمة فقط، وننسى أن لكل قمة جبلًا، ولكل جبل صعودًا مليئًا بالانزلاقات.. المقارنة تختزل الحياة في مشهد واحد، وتطالبك بأن تفسّر به الحكاية كاملة.. الأخطر في فخ المقارنات أنه يتسلّل إلى الداخل متنكّرًا في هيئة تحفيز.. يقول لك: شدّ حيلك، غيرك سبقك، لكنه لا يخبرك أن السباق غير متكافئ، وأن المسارات مختلفة، وأن بعض الناس وُلدوا أقرب إلى خط النهاية، وحين تفشل في اللحاق، لا تلوم الظروف، بل تلوم نفسك، فتتآكل من الداخل باسم الطموح.. في الفضاء الرقمي صارت المقارنة نظامًا يوميًا.. منصّات تعرض الحياة بعد الفلترة، وتسوّق الاستثناء على أنه قاعدة، هناك يبدو الجميع أكثر نجاحًا، أكثر سعادة، أكثر اكتمالًا، ومع التكرار يتشوّه الإحساس الطبيعي بالرضا، ويصبح الإنجاز الشخصي باهتًا لأنه لم يُصفّق له جمهور، لكن الحياة خارج الشاشات لا تُقاس بهذا الشكل.. قيمتك لا تُستخرج من مقارنة، ولا تُمنح بشهادة تفوّق على غيرك.. قيمتك في مسارك، في قدرتك على الاستمرار، في المعنى الذي تصنعه لا في الضجيج الذي يحيط بك. بعض النجاحات بطيئة لأنها عميقة، وبعض الطرق طويلة لأنها تُعيد تشكيلتك، لا لأنك تائه.
الخروج من فخ المقارنات لا يعني الانعزال ولا إنكار الواقع، بل استعادة البوصلة.. أن تسأل السؤال الصحيح: هل أتقدّم مقارنة بنفسي أمس؟، أن تفهم أن لكل إنسان توقيته الخاص، وأن الحياة لا تعمل بجدول واحد للجميع، وأن ما يبدو تأخرًا قد يكون نضجًا مؤجّلًا.. المقارنة العادلة الوحيدة هي تلك التي تجري بينك وبين ما كنت عليه، لا بينك وبين نسخة محرّرة من حياة الآخرين.. وما عدا ذلك، ليس سوى فخّ أنيق يلمع كثيرًا.. ويكلفك نفسك.