إنها… غفوة. كنت طفلًا، وأظن أنني كنت أعيش أجمل سنوات عمري دون أن أعرف أنها الأجمل. الأرض باردة تحت ظهري، التلفاز أمامي يضيء كأنه شمس صغيرة داخل غرفة متواضعة، وجرندايزر – نعم، كنت أنطقه هكذا – يحلق في السماء ليحارب وحشًا فضائيًا جديدًا، في مهمة نبيلة لا تتأخر أبدًا عن موعدها. كنت أراقبه بثقة طفل يعرف أن الخير سينتصر خلال عشرين دقيقة، وقبل شارة النهاية الحماسية. قدماي مرفوعتان قليلًا، تتأرجحان في الهواء بلا هدف. لم أكن أحتاج هدفًا. كان يكفيني أن الوحش سيُهزم، وأن أمي ستناديني بعد قليل. في الخلفية… أمي.
لا أستطيع أن أكتب هذه الكلمة دون أن يتباطأ الزمن قليلًا. صوتها لم يكن مجرد صوت. كان نظام الكون قرقعة الأواني. صوت الغطاء حين يُرفع. ملعقة تضرب حافة القدر. همهمة خافتة، خطوات خفيفة بين المطبخ والغرفة لم أكن أفكر في الغد. الغد كان يأتي وحده. ولم أكن أفكر في الفقد. الفقد لم يكن كلمة موجودة في قاموسي الصغير. ثم جاءت الغفوة. لا أعرف لماذا أغمضت عيني.
ربما لأن جسدي الصغير تعب من اللعب في الحارة. ربما لأنني كنت آمنًا بما يكفي لأسمح لنفسي أن أنام. أغمضت عيني للحظة. لحظة قصيرة جدًا. لحظة بحجم رفّة جفن. كنت متأكدًا أنني حين أفتحهما، سأجد كل شيء في مكانه. الوحش سيهزم. أمي ستنادي. الحياة ستنتظرني. لكن الحياة… لم تنتظر. حين فتحت عيني، كان هناك رجل يقف أمام المرآة. وجه أعرفه ولا أعرفه.
خطوط رفيعة حول العينين. كتفان يحملان أشياء لا تُرى. صمت طويل يسكن بين الكلمات. أربعون عامًا. مرّت هكذا. كما تمرّ سيارة مسرعة في شارع فارغ ليلًا.
أين ذهب الطفل؟ أين ذهبت الدراجة التي كنت أركبها بفخر؟ أين اختفت الحارة التي كانت تبدو بحجم الكون؟ وأمي؟ هذا السؤال صعب. صعب لدرجة أنني أضعه جانبًا أحيانًا، ككتاب أعرف أنني إن فتحته سأبكي. رحلت. ببساطة. كما يرحل الضوء حين تنطفئ المصابيح. لم يعد هناك صوت في المطبخ. لم تعد هناك رائحة طعام تتسلل إلى الغرفة.
البيت القديم صار أضيق في الذاكرة. الغرفة التي كانت تبدو واسعة بما يكفي لأحلامي كلها، صارت الآن بحجم صورة قديمة. الصوت الذي كان يملأ الدنيا، صار همسة بعيدة في صدري.
أحيانًا، في لحظة ضعف، أشم رائحة طعام تشبه طبخها… فيتوقف شيء داخلي. ألتفت بلا وعي. أنتظر أن أسمع اسمي. لكن الزمن لا يعيد الأصوات. هو فقط يحتفظ بها كصدى.
اكتشفت متأخرًا أن الزمن لا يتحرك كما نظن. لا يسير ببطء. يختفي في التفاصيل.
في يوم عادي. في غفوة عادية. في لحظة أمان عابرة. نحن لا نكبر تدريجيًا كما نظن. نغفو… ثم نستيقظ كبارًا. أحيانًا أراقب الأطفال وهم مستلقون أمام الشاشات. أراهم كما كنت.
أقدام تتأرجح. ضحكات بلا حساب. عالم بسيط فيه أبطال، واضحون وأعداء واضحون. أريد أن أقول لهم شيئًا. أن أصرخ: (لا تغفوا طويلًا!) لكنني أعرف أن الغفوة ليست اختيارًا.
هي جزء من اللعبة. ربما نحن جميعًا ما زلنا في تلك الغرفة. ما زلنا أطفالًا نحلم أننا كبرنا. وربما حين نستيقظ فعلًا – إن استيقظنا – سنفهم أن الحياة لم تكن بكل هذا التعقيد.
كانت فقط: صوت أم. شاشة تضيء. وطفل يثق أن كل شيء بخير. لكن الثقة… كانت أطول من الغفوة. والغفوة… أطول من العمر.