التصريح الأخير الصادر من شخص قيل إن له ارتباطًا بالسفارة السورية في رومانيا لم يخرج عن هذا السياق، لكنه كشف بوضوح أكبر حجم الفجوة بين هذا الخطاب وبين المزاج الشعبي العام، إذ قال هذا الشخص إن على السوريين أن ينسوا الماضي وما حصل، مشيرًا إلى أن لديه «شوال ملح» في سيارته يمكنه أن يعطي منه للشخص الذي لديه جرح عميق ليضع الملح عليه.
التصريح، قوبل بردود فعل غاضبة من سوريين على منصات التواصل الاجتماعي، ما عكس بوضوح حجم آلام الناس، وأن فكرة «النسيان» لا تجد قبولاً لدى شريحة كبيرة من السوريين، خصوصًا أولئك الذين دفعوا أثمانًا مباشرة لا يمكن اختزالها في خطاب عابر، ولا يمكن قراءة هذا التفاعل بوصفه انفعالاً مؤقتًا، بل هو تعبير عن موقف راسخ يتمثل في أن العدالة ليست بندًا مؤجلاً، بل شرطًا أساسيًا لأي استقرار حقيقي.
في مقالات سابقة، أشرت إلى أن وتيرة المطالبة بتطبيق العدالة الانتقالية آخذة في التصاعد، مع تركيز متزايد على ضرورة أن تشمل هذه العملية جميع المسؤولين عن الانتهاكات، دون استثناء أو انتقائية، ذلك أن أي محاولة لإبطاء هذا المسار أو الالتفاف عليه لا تقتصر آثارها على تعطيل العدالة، بل تمتد لتقويض الاستقرار نفسه، عبر إعادة إنتاج مشاعر الظلم والإقصاء.
المشكلة في الخطاب الذي يدعو إلى «تجاوز الماضي» لا تكمن فقط في توقيته، بل في بنيته، فهو يفترض ضمنًا أن الذاكرة عبء، وأن العدالة عائق أمام الاستقرار، وأن بإمكان المجتمعات أن تعيد بناء نفسها عبر القفز فوق أكثر مراحلها إيلامًا، غير أن تجارب دول خرجت من نزاعات كبرى من أمريكا اللاتينية إلى جنوب أفريقيا تشير إلى نتيجة معاكسة، إذ تثبت أن تجاهل الماضي لا يؤدي إلى تجاوزه، بل إلى إعادة إنتاجه في أشكال جديدة من التوتر وعدم الاستقرار.
كما أن هذا الخطاب يطرح إشكالية أخرى أكثر حساسية تتعلق بمن يملك حق تعريف «المصلحة العامة»، وهل يمكن اعتبار الاستقرار هدفًا مشروعًا إذا تحقق على حساب حقوق الضحايا، أو عبر تأجيل مساءلة المسؤولين عن الانتهاكات؟
الأخطر من ذلك، أن مثل هذه التصريحات عندما تصدر في سياقات رسمية، تعطي انطباعًا بوجود قابلية رسمية لتهميش ملف العدالة، أو على الأقل عدم التعامل معه كأولوية، وهذا بدوره يعمّق فجوة الثقة بين المجتمع ومؤسسات الدولة، في لحظة يفترض أن تكون مكرّسة لإعادة بناء هذه الثقة لا لتآكلها.
في هذا السياق، تبرز مسؤولية المؤسسات الرسمية، وعلى رأسها وزارة العدل، في الانتقال من مستوى الخطاب إلى مستوى التشريع والتنفيذ، فالمطلوب اليوم ليس فقط تأكيد الالتزام بمبدأ العدالة، بل إقرار إطار قانوني واضح للعدالة الانتقالية يحدد آلياتها ونطاقها والجهات المعنية بتنفيذها، بما يضمن شمولها وعدم انتقائيتها.
صحيح أن جهودًا تُبذل في بعض الملفات الراهنة، كما في القضايا التي شهدتها مناطق، مثل الساحل والسويداء بعد التحرير، حيث يجري التعامل معها عبر مسارات قضائية واضحة، وهو أمر مهم ويعكس إدراكًا لأهمية فرض القانون، غير أن هذا المسار على أهميته لا يمكن أن يبقى منفصلاً عن الملف الأوسع، أي ملف العدالة الانتقالية المرتبط بسنوات طويلة من الانتهاكات الجسيمة التي ارتُكبت في عهد النظام السابق.
التعامل مع قضايا محددة بمعايير قانونية، مقابل غياب إطار شامل لمعالجة إرث الانتهاكات الكبرى، يخلق انطباعًا بازدواجية المعايير، ويطرح تساؤلات مشروعة حول جدية التعامل مع هذا الملف، فلا يمكن بناء ثقة عامة أو تحقيق استقرار مستدام في ظل مقاربة جزئية، تُفعّل العدالة في بعض القضايا، بينما تؤجل أو تُغيّب في قضايا أخرى.
لذلك، فإن إقرار قانون واضح للعدالة الانتقالية لم يعد خيارًا مؤجلاً، بل ضرورة ملحّة، ليس فقط لضمان إنصاف الضحايا، بل أيضًا لتوحيد المعايير القانونية، ومنع أي اجتهادات قد تفتح الباب أمام التسييس أو الانتقائية في تطبيق العدالة.
العدالة الانتقالية ليست دعوة للانتقام، بل إطار قانوني وسياسي لإدارة إرث الانتهاكات بطريقة تمنع تكرارها، وتؤسس لمصالحة قائمة على الحقيقة والمساءلة وجبر الضرر، وأي محاولة لتفريغ هذا المفهوم من مضمونه، عبر اختزاله في شعارات عامة عن «التسامح» أو «المضي قدمًا»، لا تؤدي إلا إلى إضعاف فرص تحقيقه.
السوريون اليوم لا يرفضون المستقبل، بل يرفضون أن يُبنى هذا المستقبل على إنكار الماضي وعدم تحقيق العدالة للمظلومين، ولا يرفضون الاستقرار، بل يرفضون أن يكون استقرارًا هشًا يقوم على تجاهل الأسباب التي أدت إلى الانفجار أصلاً.
لهذا، فإن النقاش الحقيقي ليس بين «النسيان» و«العدالة»، بل بين مسارين واضحين: إما مسار يعترف بالانتهاكات ويسعى لمعالجة أسبابها ونتائجها ضمن إطار قانوني شامل، أو مسار يؤجلها ويتركها كامنة تحت الرماد، بما يحمله ذلك من مخاطر على مستقبل البلاد.
في الحالة السورية، لا يبدو أن هناك ترفًا للاختيار بين هذين المسارين، فالعدالة الانتقالية ليست خيارًا سياسيًا يمكن تأجيله، بل شرطًا ضروريًا لأي استقرار مستدام، وأي خطاب يسعى إلى تمييع هذا الاستحقاق، مهما بدا بسيطًا أو عابرًا، إنما يلامس واحدة من أكثر القضايا حساسية في الوعي السوري اليوم، وهي قضية لا تتعلق بالماضي فقط، بل بشكل المستقبل نفسه في حال التراخي في تطبيق العدالة الانتقالية.