ولذلك خلال الأسابيع القادمة سأحلل في سلسلة من المقالات أبرز نقاط الالتقاء والتشارك ما بين رؤية المملكة 2030 والخطة الخمسية الخامسة عشر للصين في محاولة لصنع مزيد من التوافق في تحقيق أهدافنا المشتركة في فلسفة التحول الاقتصادي، والاستثمار في الإنسان، وبناء مستقبل يقوم على الابتكار والاستدامة والانفتاح على العالم. حيث تسعى الصين من خلال خطتها الخمسية إلى تحقيق تحول نوعي في نموذج النمو الاقتصادي، بحيث تنتقل من مرحلة النمو السريع إلى التنمية عالية الجودة. تركز الخطة على تطوير الصناعات المتقدمة، وتحفيز البحث العلمي، وتعزيز دور الابتكار بوصفه المحرك الرئيس للاقتصاد، إلى جانب الاهتمام بحماية البيئة وتحقيق التنمية الخضراء. هذه المبادئ لا تختلف كثيراً عن جوهر رؤية المملكة 2030 التي تسعى إلى تنويع مصادر الدخل، وبناء اقتصاد متين ومستدام، وتعزيز جودة الحياة عبر برامج ومشروعات وطنية طموحة، وهذا التوازي في الرؤى ليس مصادفة، بل يعكس إدراكاً عميقاً لدى القيادتين السعودية والصينية بأن التحولات الاقتصادية العالمية تتطلب إعادة صياغة أولويات التنمية، والانتقال من الاعتماد على الموارد التقليدية إلى اقتصاد يقوم على المعرفة والتقنية .
مواءمة رؤية المملكة 2030 مع الخطة الخمسية الصينية لا تقتصر على الجانب الاقتصادي فحسب، بل تمتد إلى بناء نموذج جديد من التعاون يقوم على نقل المعرفة وتبادل الخبرات والتكامل في القدرات. فالصين تمثل اليوم مركزاً عالمياً في التصنيع المتقدم والتقنية، بينما تمتلك المملكة موقعاً جغرافياً استراتيجياً وإمكانات استثمارية هائلة ورؤية إصلاحية واضحة. الجمع بين هذين المسارين يمكن أن يخلق شراكات نوعية في قطاعات الطاقة المتجددة، والهيدروجين الأخضر، والصناعات التحويلية، والذكاء الاصطناعي، والنقل والبنية التحتية .
كما أن الخطة الصينية تضع الإنسان في قلب التنمية من خلال التعليم والتقنية والابتكار، وهو ما يتطابق مع برامج الرؤية السعودية التي تركز على تمكين الشباب ورفع كفاءة رأس المال البشري. ويمكن أن تمثل المبادرات المشتركة في التدريب والبحث العلمي بوابة لبناء جيل جديد من الكفاءات السعودية الصينية القادرة على قيادة مشاريع المستقبل .
ومن المهم أن ننظر إلى هذه المواءمة ليس كمجرد تقاطع مصالح، بل كمسؤولية أن نعي أهمية فهم الجانب الصيني بشكل عميق من خلال رؤيتهم الطموحة التي نستطيع من خلالها تحقيق طموحاتنا المشتركة في المجال الاقتصادي والاستدامة البيئية والتطور التقني. فالعالم اليوم يتجه نحو بكين في رؤيته للتنمية، والرياض وبكين تقفان في مقدمة هذا الاتجاه، كقوتين تسعيان إلى تحويل الرؤية إلى واقع، والمستقبل إلى مشروع عمل مشترك .