في هذا السياق، قدّمت المملكة العربية السعودية نموذجاً واضحاً في التعاطي مع محيطها الإقليمي؛ نموذجاً يجعل الاستقرار التزاماً لا يقبل المساومة، ويضع احترام السيادة وحسن الجوار في صميم الموقف السياسي. ولم يكن ذلك خياراً ظرفياً، بل امتداداً لرؤيةٍ تعتبر الأمن الإقليمي مسؤوليةً مشتركة، تُدار بالحزم والوضوح، لا بالازدواجية أو الحسابات القصيرة.
التحالفات، بطبيعتها، تقوم على أهدافٍ مشتركة، لكنها تُختبر حقاً عندما تختلف الأجندات وتضيق مساحات التوافق. هنا يظهر الفارق بين شريكً يرى التحالف التزاماً أخلاقياً وقانونياً، وآخر يتعامل معه مساحةَ مناورة. فالتحالف الذي تُقدَّم فيه المكاسب الآنية على الاستقرار طويل المدى يفقد معناه سريعاً، وتتحوّل شراكته إلى مصدر ارتباكٍ لا حماية.
ومن منظورٍ قانوني، لا تقوم الشراكات المستقرة على الغموض، بل على حسن النيّة والالتزام المُعلَن. فأي مسارٍ يتعارض مع الاستقرار وحسن الجوار يُنظر إليه بوصفه إخلالاً جوهرياً بمسؤوليات الشراكة، مهما حاول الخطاب السياسي تلطيفه. فالقانون الدولي لا يحمي ازدواجية المواقف، بل يحمي وضوح الالتزامات وحدود المسؤولية، لأن الغموض في لحظات الأزمات لا ينتج إلا مزيداً من عدم اليقين.
ويزداد هذا المعنى رسوخاً حين نضعه في سياق النظام الدولي المعاصر، حيث لم تعد العلاقات بين الدول تُدار بمنطق الثقة المجردة، بل ضمن منظومة التزامات واضحة تُحدّد المسؤوليات وتُقيّد السلوك. فالقانون الدولي، في جوهره، وُضع لضبط التوقعات بين الشركاء قبل الخصوم، ولمنع تحوّل الغموض إلى أداة ضغط أو وسيلة التفاف. ولهذا، فإن أي شراكة لا تُصان بوضوح التعهدات وتماسك السلوك، تكون عُرضة للتآكل مهما طال أمدها أو اتّسع خطابها.
أمّا من منظورٍ فلسفي، فإن الحزم ليس نقيض الاستقرار، بل شرطه. فالدولة التي تجعل الاستقرار مقصدًا، لا تغيّر مواقفها بتغيّر الرياح، ولا تُبدّل مبادئها عند أول اختبار. هنا تتجلّى القيادة بوصفها مسؤوليةً تاريخية تُقدِّم المعنى على المناورة، وتُفضّل الثبات على المكسب العابر، وتدرك أن الاستقرار قيمةٌ تُصان بالفعل قبل الخطاب.
لقد أكّدت المملكة، عبر مواقفها المعلنة وسلوكها العملي، أن الدعوة إلى الاستقرار وحسن الجوار لا تعني التهاون، بل تعني الوضوح والحسم: وضوح الأهداف، وحسم الالتزام، ورفض أي مسارٍ يزعزع أمن المنطقة أو يُربك ثقة الشركاء. فالاستقرار، حين يُمسّ، يصبح الدفاع عنه واجباً سيادياً لا خياراً تفاوضياً، لأن التفريط فيه يفتح الباب لعدم يقين طويل الأمد.
وفي لحظات التحوّل الإقليمي، لا يكون الاستقرار مطلباً أخلاقياً فحسب، بل ضرورة عملية تمسّ حياة الشعوب واقتصاداتها ومستقبل أجيالها. فالدول التي تتعامل مع الاستقرار بوصفه قيمة حاكمة، تُدرك أن كلفة الثبات أقلّ بكثير من كلفة الفوضى، وأن حماية التوازن الإقليمي ليست خدمة للآخرين بقدر ما هي حماية للذات. هنا، يتقدّم منطق الدولة المسؤولة على منطق المكاسب السريعة، ويتحوّل الحزم من أداة ردع إلى ضمانة استدامة.
وتكمن خطورة الأزمات الإقليمية في ازدواجية المعايير التي قد تُغلِّفها. فحين تُستخدم لغة الاستقرار غطاءً لممارساتٍ تُنتج العكس، تتآكل الثقة، ويتحوّل التحالف من أداة حماية إلى عامل عدم يقين. وفي مثل هذه اللحظات، تتقدّم الدول التي تحمي المعنى على الدول التي تكتفي باللافتة، لأن الأولى تبني استقراراً حقيقياً، بينما الثانية تراكم هشاشة مؤجلة.
في النهاية، حين يكون الاستقرار موقفًاً لا شعاراً، تُعرَف الدول من أفعالها لا من أقوالها. وتبقى المملكة العربية السعودية مثالًا لدولة جعلت من الحزم المقرون بالمبدأ أساساً، حين يقترن بالمبدأ، فصنعت أمناً مستداماً، وأثبتت أن الشراكات الحقيقية تُقاس بالالتزام والثبات… لا بالخطاب ولا بتبدّل المصالح.