لم تكن «كاست» مجرد مؤسسة بحثية تقليدية، بل كانت رهاناً جريئاً على قدرة العقل السعودي على المنافسة في الساحة العالمية. اليوم، وبعد عقود من العطاء، أصبحت هذه المدينة العلمية قلب النهضة التقنية السعودية النابض، تحتضن مختبرات تضاهي أرقى المراكز البحثية العالمية، وعقولاً تصنع المستقبل بأيديها.
تخيل مختبرات تعمل على مدار الساعة، باحثون يرتدون معاطفهم البيضاء منهمكون في تجارب قد تغير حياة الملايين، في أروقة مدينة الملك عبدالعزيز، لا تُقاس الإنجازات بالأرقام فقط، بل بالأثر الحقيقي على حياة الناس، من تطوير لقاحات محلية إلى ابتكارات في الطاقة المتجددة، من أبحاث الذكاء الاصطناعي إلى تقنيات تحلية المياه، كل مشروع هنا يحمل بصمة سعودية فخورة بهويتها الوطنية.
المختبرات الوطنية في «كاست» ليست مجرد منشآت باردة مليئة بالأجهزة المعقدة، إنها ورش عمل حية يصنع فيها الأمل.. هنا طورت تقنيات الاستشعار عن بُعد التي ترصد التغيرات البيئية، وهنا ولدت مشروعات النانوتكنولوجي التي تعد بثورة في الطب والصناعة.
عندما أطلق صاحب السمو الملكي، الأمير محمد بن سلمان، عراب رؤية المملكة 2030، لم يكن يتحدث فقط عن خطة اقتصادية، بل عن تحول جذري في طريقة تفكيرنا.. كانت الرسالة واضحة: المستقبل للعقول المبدعة، والاقتصاد المزدهر هو اقتصاد المعرفة.
وهنا تبرز مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية كأحد الأعمدة الأساسية لهذا التحول، فالرؤية تطمح لتنويع مصادر الدخل والابتعاد عن الاعتماد على النفط، وهذا لن يتحقق إلا بالاستثمار في العلم والتقنية، «كاست» اليوم تقود مبادرات طموحة في الطاقة المتجددة، والذكاء الاصطناعي، والتقنية الحيوية، كلها قطاعات حيوية لمستقبل المملكة الاقتصادي.
النجاح الحقيقي لا يُبنى في العزلة.. أدركت «كاست» مبكراً أن التميز العلمي يتطلب الانفتاح على العالم، فنسجت شراكات إستراتيجية مع أعرق الجامعات والمراكز البحثية العالمية، من «ناسا» الأمريكية إلى وكالة الفضاء الأوروبية، من معاهد (MIT) إلى جامعات يابانية مرموقة، كل شراكة تمثل جسرًا ينقل المعرفة ويثري التجربة السعودية.
هذه الشراكات لم تكن مجرد بروتوكولات تُوقع وتُنسى، بل تحولت إلى مشروعات مشتركة أثمرت براءات اختراع وأبحاثاً منشورة في أرقى المجلات العلمية، رافعة اسم المملكة عالياً في المحافل الدولية.
لم يعد الفضاء حلماً بعيد المنال، بفضل البرنامج الوطني للفضاء التابع لمدينة الملك عبدالعزيز، أصبحت المملكة تمتلك أقماراً صناعية تدور حول الأرض، ترسل بيانات حيوية تُستخدم في التخطيط الحضري، ومراقبة البيئة، والأمن الوطني.
ومن يستطيع أن ينسى تلك اللحظة التاريخية عندما انطلق رائدا الفضاء السعوديان ريانة برناوي، وعلي القرني، إلى محطة الفضاء الدولية؟، كانت تلك اللحظة تتويجاً لجهود «كاست» في بناء قدرات وطنية في علوم الفضاء، ورسالة للعالم أن السماء لم تعد حداً للطموح السعودي.
لكن ما فائدة العلم إن لم ينعكس على حياة الناس؟، هذا السؤال يُطرح يومياً في أروقة «كاست»، وتأتي الإجابة من خلال مئات المشروعات التطبيقية.. فهنا طورت تطبيقات ذكية لإدارة الموارد المائية في منطقة تعاني من الشح المائي، وهنا وجدت حلول مبتكرة للزراعة الصحراوية باستخدام التقنيات الحديثة.
برامج حاضنات الأعمال التقنية في المدينة حولت أفكار شباب سعوديين إلى شركات ناشئة ناجحة، خلقت وظائف، وساهمت في الاقتصاد الوطني، مُترجمةً بذلك رؤية ولي العهد في تمكين الشباب وجعلهم قادة التغيير.
تدرك «كاست» أن أغلى ثروة تمتلكها ليست المختبرات الحديثة ولا الأجهزة المتطورة، بل العقول البشرية التي تدير كل ذلك، لذا تستثمر المدينة بسخاء في تدريب وتطوير الكفاءات الوطنية، من خلال برامج الابتعاث، والدورات المتخصصة، والشراكات الأكاديمية.
الهدف واضح: بناء جيل من العلماء والباحثين السعوديين القادرين على قيادة التحول التقني للمملكة، جيل لا يكتفي باستيراد التكنولوجيا، بل يطورها ويصدرها للعالم.
بينما تواصل مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية مسيرتها، يتضح أنها ليست مجرد مؤسسة حكومية، بل هي رمز لإصرار أمة على صناعة مستقبلها بأيديها. في كل معمل، وفي كل تجربة، وفي كل براءة اختراع، تتجسد رؤية المملكة 2030 كواقع ملموس.
ولي العهد، الأمير محمد بن سلمان، رسم الخارطة، و«كاست» تمشي عليها بخطى واثقة، محولةً الأفكار إلى إنجازات، والطموحات إلى حقائق، فالمستقبل لا ينتظر، بل يصنع، وفي المختبرات الوطنية لمدينة الملك عبدالعزيز، نصنع هذا المستقبل كل يوم.
هنا، حيث يلتقي الحلم بالعلم، والطموح بالعمل، تواصل المملكة كتابة فصل جديد من قصة نهضتها، فصل عنوانه: العلم أساس التقدم، والإبداع طريق المجد.