هذه الفرضية تقودنا للتأمل في السلوك الإيراني التاريخي المرصود، منذ قورش والدولة الأخمينية ثم وريثتها الدولة الساسانية، التي تعاملت في جميع أطوارها مع جيرانها بذلك المستوى العنيف عبر تاريخ طويل من الممارسات العدائية، وحتى بعد التحول العظيم في المسيرة الحضارية الإيرانية، الذي تمثل في دخول الشعوب الإيرانية في الإسلام، لم تتغير وتيرة العنف والعداء، فبقيت جذوة الصراع مع الجيران مشتعلة .
إن إيران ومهما كانت القوى الحاكمة فيها، إلا أن عناوين القلق ذاتها هي التي تشكل المشهد، وأصبح ضبط السلوك الإيراني عبر العصور مختلفًا في الصوَر فقط ما بين زمن وآخر، أما الغايات فبقيت هي هي كما كانت من قبل، مصدرا للأزمات، حاملةً عبء ذات النهج المتصادم مع الجميع في كل العهود التاريخية البعيدة القريبة.
وإذا كان جيرانها قد خبروها، وعرفوا مرارة أذاها وتقلباتها، وعدم اكتفائها، ونكثها لكل العهود والمواثيق التي أبرمتها، فإنهم تعلموا كيف يفهمون النفسية الإيرانية القلقة المتقلبة، التي صدرت القيراط والقنطار من الأذى المستمر لجيرانها، كلما آنست من نفسها قوة تستطيع من خلالها إزعاج من حولها والتأثير عليهم، حيث تعايشوا مع قلقها حينا، وتجاهلوها أحايين أخرى كثيرة، وكان اللجوء للمواجهات معها اضطرارا بعد أن تستنفد كل الحلول.
غير أن السلوك الإيراني منذ عام 1979م ومع دخول الحقبة الخمينية لواجهة الحكم، أتى ليقدم لنا النسخة الأسوأ من كل النسخ السابقة، ففي الوقت الذي كانت إيران بنسخها القديمة والجديدة إلى ما قبل نسخة الملالي تنطلق من منطلقات المصالح العسكرية والسياسية والاقتصادية كغيرها من القوى التاريخية التي تتوسع على حساب محيطها القريب، بناء على الفرضية التي تؤكد أن القوى الصاعدة ليس أمامها سوى البحث الدائم عن أراض جديدة تتوسع فيها، وتزيد مساحتها من خلالها، وتنشغل بها، حتى لا تؤول في منتهى أمرها إلى الانكماش والتآكل البطيء، غير أن إيران الخمينية أتت وهي تحمل في داخلها الكثير من العقد التاريخية والمذهبية التي تجاوزت حسابات الربح والخسارة، إلى حالة من الاتجاه التدميري الكامل لكل من لا يخضع لها حد الذوبان الكامل فيها.
إن إيران الخمينية شكلت جميع موجِّهات المجتمع الإيراني الحالي، انطلاقا من الشوفينية الفارسية التي تنتقص من الآخر، وتعيد رسم تموضعه في مرتبة دنيا، في استحقاقه للحياة نظر!
لذا فإن النسخة الخمينية من إيران تتعامل مع الجميع بفلسفة وحيدة، تنعدم معها الحلول، وتدفع الجميع باتجاه عدمي لا خيار فيه سوى المواجهة الشاملة لهذه الثقافة التدميرية الإقصائية، التي عملت على تفتيت الكثير من الشعوب، وأحدثت شروخا اجتماعية خطيرة جدا في بنية جميع المجتمعات التي وجدت نفسها تقيم قريبا منها.
لذا يتساءل الكثيرون، ترى هل الحل مع إيران مجرد جولة من المعارك وحسم الجانب العسكري فقط؟
من وجهة نظري أن ذلك الحل هو الأبسط من بين الحلول الممكنة، وأننا لكي نساعد هذا المجتمع للخروج من أزمته، لا بد من إعادة النظر في كل موجهات المجتمع الإيراني تربية، وتعليما، وثقافة، ونزع كل بذور المشكلة من بيدر التاريخ الإيراني الذي يعاني من تضخم الذات، ومحاصرة جميع دعوات العنف والصدام من كل تراثه، وفلسفته، وتفكيره، من خلال جهد عالمي منظم يساعد في بناء إيران الحديثة، لتكون جزءا من جغرافيا مطمئنة متماسكة، تدعم جميع شعوب المنطقة والعالم.
إننا نؤكد أنه لا توجد شعوب شريرة بطبعها، ولكننا نقول إن هناك بيئات تسمح أكثر من غيرها لحدوث الانحرافات الكبرى، خاصة إذا تم إيهامها بالتفوق على غيرها، وأن الآخر غير جدير بالحياة، إلا كتابع مسلوب الإرادة، وهذا ما تمثله إيران الحالية وليس ببعيد منها الكيان الصهيوني الذي لنا عودة له قريبا.