إن القيم المؤسسية ليست مجرد شعارات تُرفع أو عبارات تُنقش على الجدران، بل هي عقد أخلاقي ضمني بين المنظمة وموظفيها؛ عقدٌ يقول إن هذه المؤسسة تلتزم بمعايير واضحة في تعاملها مع العنصر البشري الذي يمثل عمادها الحقيقي. وحين تنحرف الممارسات عن هذه القيم، فإن المنظمة لا تفقد مصداقيتها فحسب، بل تُقوّض الأساس الذي بُنيت عليه ثقة موظفيها وعملائها على حد سواء.
الفصل التعسفي: الممارسة التي تكشف زيف القيم
من أبرز الممارسات التي تفضح التناقض بين القيم المُعلَنة والسلوك الفعلي ظاهرة الفصل التعسفي للموظفين دون إبداء أسباب واضحة أو منطقية. تلجأ بعض المنظمات إلى إنهاء خدمات موظفيها بصورة مفاجئة، دون تقديم تفسير مقنع أو منح الموظف فرصة لتصحيح مساره، وكأن سنوات العمل والخبرة المتراكمة يمكن محوها بقرار إداري.
هذا السلوك لا يتعارض فقط مع مبادئ العدالة والشفافية، بل يُرسل رسالة مقلقة إلى بقية الموظفين مفادها أن أحدًا ليس في مأمن، وأن الولاء والاجتهاد لا يضمنان شيئًا. والنتيجة الحتمية هي بيئة عمل تسودها الريبة والقلق بدلًا من الثقة والانتماء الذي تُعلن عنه تلك المنظمات في أدبياتها.
نموذج مُلهم: حين تصبح القيم سلوكا حقيقيا
في حديث جانبي مع أحد الأصدقاء العاملين في شركة ألمانية عالمية، لفت انتباهي نهج مختلف تمامًا. أخبرني أن من القيم الراسخة في ثقافة هذه الشركة أنها لا تفصل الموظف مهما كلّف الأمر. قد تدفعه ظروف معينة إلى الاستقالة طوعًا، لكن قرار الفصل ليس واردًا ضمن أدوات الإدارة في هذه المؤسسة. هذا النهج ليس مجرد سياسة إدارية، بل هو فلسفة عميقة تعكس إيمانًا حقيقيًا بأن الاستثمار في الإنسان استثمار طويل الأمد لا ينبغي التفريط فيه
مثل هذه الشركات تُدرك أن العلاقة بين المنظمة والموظف ليست معاملة تجارية قصيرة الأجل، بل شراكة قائمة على الاحترام المتبادل والتطوير المستمر. وحين يشعر الموظف بهذا الأمان الوظيفي، فإنه يُبدع ويُعطي أفضل ما لديه، لأنه يعلم أن مؤسسته لن تتخلى عنه عند أول منعطف.
الثمن الباهظ لسياسة الفصل المتكرر
ما تعلّمته من التجربة والملاحظة أن المنظمة التي يكثر فيها فصل الموظفين هي منظمة تضع نفسها في مأزق حقيقي، وقد تخسر أكثر بكثير مما تظن أنها تكسب. فالخسائر المترتبة على الفصل المتكرر تتجاوز التكلفة المباشرة لتشمل أبعادًا إستراتيجية خطيرة:
أولًا، هناك الخسارة المتراكمة في التدريب وإعداد المهارات. كل موظف يُفصَل يحمل معه رصيدًا من المعرفة المؤسسية والخبرة العملية التي استُثمر فيها وقت ومال وجهد. واستبداله يعني البدء من الصفر مع موظف جديد يحتاج إلى شهور أو سنوات ليصل إلى المستوى ذاته، هذا إن وصل إليه أصلًا.
ثانيًا، تتأثر القيمة الاسمية والسمعة المؤسسية للمنظمة تأثرًا بالغًا. حين يكثر الحديث في السوق عن عدم استقرار بيئة العمل في مؤسسة ما، فإن الكفاءات المتميزة تتجنب الانضمام إليها، والعملاء يفقدون الثقة في قدرتها على تقديم خدمات مستقرة وعالية الجودة. وهكذا تدخل المنظمة في حلقة مفرغة: تفصل موظفيها لخفض التكاليف، فتخسر سمعتها، فتعجز عن استقطاب البدائل المؤهلة، فيتراجع أداؤها، فتلجأ إلى مزيد من ممارسات الفصل التعسفية.
القيم الحقيقية تُقاس بالأفعال لا بالأقوال
المنظمات الناجحة حقًا هي تلك التي تجعل من قيمها المُعلَنة مرآة صادقة لممارساتها اليومية. فالموظف الذي يقرأ في كتيّب الشركة أنها بيئة داعمة ثم يُفاجأ بفصله دون سابق إنذار، لن يكون سفيرًا لهذه المنظمة، بل سيكون شاهدًا على زيف ادّعاءاتها.
المنظمات مدعوّة اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى مراجعة الفجوة بين خطابها وسلوكها، وإلى إدراك أن رأس المال البشري ليس بندًا في ميزانية يمكن شطبه، بل هو الأصل الأثمن الذي لا تستقيم بدونه أي مؤسسة. والمعيار الحقيقي لقيم أي منظمة لا يُقرأ في كتيّباتها، بل يُلمَس في طريقة تعاملها مع موظفيها، لا سيّما في أصعب الأوقات.