بدايةً، لا يقتصر العنف الأسري على الاعتداء الجسدي فحسب، بل يتخذ صوراً متعددة تشمل الإيذاء النفسي، واللفظي، والاقتصادي، والاجتماعي، وهي أنماط لا تقل أثراً وخطورة عن العنف الجسدي ذاته. وقد تنبّه المنظم السعودي إلى هذا الاتساع في المفهوم، فاعتمد تعريفاً شاملاً يجرّم كل سلوك ينطوي على إساءة أو تهديد أو إكراه يترتب عليه ضرر بالمرأة داخل إطار الأسرة.
وجاء نظام الحماية من الإيذاء ليؤسس منظومة متكاملة للتعامل مع العنف الأسري، تبدأ من مرحلة التبليغ، وتمتد إلى الإجراءات الوقائية، وتنتهي بالمساءلة الجزائية عند الاقتضاء. وقد ألزم النظام الجهات المختصة باتخاذ التدابير اللازمة لحماية الضحية. كما قرر النظام عقوبات تعزيرية بحق من يثبت تورطه في الإيذاء، بما يعكس جدية التعامل مع هذه الجرائم، ويؤكد عدم اعتبارها شأناً عائلياً خاصاً خارج نطاق المساءلة النظامية.
ومن المهم التأكيد على أن نظام الحماية من الإيذاء لا يتعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية، بل يستند إلى مقاصدها الكبرى في حفظ النفس والكرامة ومنع الظلم. فالإيذاء بجميع صوره محرّم شرعاً، ولا يقرّه الإسلام تحت أي ذريعة، بما في ذلك ما يُساء فهمه من مفاهيم القوامة أو التربية. وقد أسهم هذا التوافق بين الشريعة والنظام في تعزيز القبول المجتمعي للتشريعات الحديثة، وتصحيح التصورات الخاطئة التي كانت تبرر العنف باسم العادات أو الأعراف.
وعلى الصعيد النظامي، يُعد الإطار التشريعي للحماية من الإيذاء متقدماً نسبياً، غير أن التحدي الحقيقي غالباً ما يبرز في مرحلة التطبيق. فكثير من حالات العنف الأسري لا تصل إلى الجهات المختصة، إما بدافع الخوف، أو نتيجة الجهل بالحقوق، أو بسبب الضغوط الاجتماعية التي تدفع المرأة إلى الصمت حفاظاً على ما يُسمى بـ«الاستقرار الأسري» بمفهومه الخاطئ.
إضافةً لذلك، قد يتردد بعض الضحايا في التبليغ خشية تبعات الإجراءات، أو فقدان الدعم المادي، أو التعرض للوصم الاجتماعي، وهو ما يحدّ من فاعلية النظام مهما بلغت قوة نصوصه.
وهنا لا بد من التوضيح أنه لا يمكن لأي نظام قانوني أن يحقق أهدافه بمعزل عن وعي مجتمعي موازٍ. فحماية المرأة من العنف الأسري لا تبدأ من قاعات المحاكم، بل من إدراك المرأة لحقوقها، ومن وعي المجتمع بحدود السلطة داخل الأسرة. وهنا تبرز أهمية التوعية القانونية، ودور الإعلام والمؤسسات التعليمية في تصحيح المفاهيم التي تبرر العنف تحت مسميات اجتماعية أو تربوية.
كما أن تعزيز ثقافة التبليغ، والتأكيد على سرية الإجراءات، وبناء الثقة في الجهات المختصة، تمثل عناصر أساسية لتمكين النظام من أداء دوره الوقائي قبل العقابي.
من الجوانب الإيجابية في التجربة السعودية وجود قدر من التكامل بين نظام الحماية من الإيذاء، ونظام الأحوال الشخصية، والأنظمة الجزائية ذات الصلة، حيث لا تُعالج قضايا العنف بمعزل عن آثارها الأسرية، كالحضانة والنفقة والسكن. ويمنح هذا التكامل القاضي مساحة أوسع لاتخاذ قرارات تحقق مصلحة المرأة وتحفظ كرامتها، غير أن ذلك يظل مرهوناً باستمرار تطوير آليات التنسيق بين الجهات القضائية، والأمنية، والاجتماعية، بما يضمن سرعة التدخل وفعاليته.
وبذلك تتمثل الإجابة عن السؤال: هل يكفي نظام الحماية في أن النظام يُعد خطوة فاعلة وأساسية، لكنه لا يكفي وحده. فالحماية الحقيقية تتطلب منظومة متكاملة تشمل التشريع، والتنفيذ، والتوعية، والدعم النفسي والاجتماعي، إلى جانب تمكين المرأة قانونياً لتعرف حقوقها وتطالب بها بثقة.
فالقانون يرسم الإطار، لكنه لا يُغني عن دور الإنسان في تفعيله، ولا عن مسؤولية المجتمع في رفض العنف بجميع صوره. ورغم ما حققه نظام الحماية من الإيذاء من تقدم ملحوظ، فإن فعاليته تظل مرهونة بمدى وعي المجتمع، وسرعة التدخل، وحسن التطبيق. فحين تُصان كرامة المرأة داخل الأسرة، يُصان المجتمع بأكمله، وتتحقق العدالة بمعناها الأشمل