يروى أنَّ المفضّل المجبري سأل أباه سؤالا غريبا: من أول من قال الشعر؟ فأجابه بأبيات كأنَّه هو قائلها، يقول: «تغيَّرت البلاد ومن عليها/ فوجه الأرض مغبرٌّ قبيح. تغير كل ذي طعم ولون/ وقلَّ بشاشة الوجه الصبوح. وجاورنا عدوا ليس يفنى/لعين لا يموت فنستريح»، ولمَّا روى المفضل هذه الأبيات لأصدقائه قالوا له لا يصح أن يقول هذه الأبيات إلا النبي آدم، وكانت حجتهم أنَّ العدو الذي لا يفنى هو إبليس، وهو عدو آدم المباشر، أما أبوك فأعداؤه سيفنون، فقال المفضل: ولكن آدم سرياني، فمن أين له قول الشِّعر العربي؟ وكان من بين الأصدقاء ميمون بن مهران، وهو من جلساء عبد الله بن عباس، فذهب بالقوم إليه ليسألوه، فكانت إجابة ابن عباس: إنَّ الشعر لا يقوله إلا العرب، وأما الأقوام الأخرى فلهم تراكيبهم ذات الأسماء الأخرى، لهذا لما قتل قابيلُ هابيلَ رثاه آدم -وهو سرياني- بألفاظٍ سهلة المخرج وطيّعة المعنى لكي يتوارثها الناس، فظلت الأمةُ تتداولها حتى وصلت إلى يعرب بن قحطان، وكان يتكلم بالعربية والسريانية، فترجم ألفاظَ آدم إلى العربية شعرًا، فقال ما سمعتموه من والد المفضّل المجبري. فقال ميمون: كان السؤالُ عن أول شاعر فجاءت الإجابة عن أول مترجم. هنا انتبه المفضل -وكان لمَّاحا ذكيا- وسأل: إذا كان الأمر كذلك فهل الشعر فكرة نبعت من رأس مترجم؟ هذا السؤال لابد أن يُذكّرنا بأنَّ العرب لمَّا سمعوا القرآن قالوا بأنَّه شعر، مع أنَّ القرآن ليس موزونًا ولا مقفى، أي كأنَّ العرب يقولون: إنَّ القرآن شعر بمعنى أنه مترجم عن معنى لا تعرفه العرب، لهذا بادر القرآنُ ليقول للعرب: «وما هو بقول شاعر»، واللافت أنَّ المتكلمين أعادوا هذا الإشكال في القضية الشهيرة: هل القرآن مخلوق أم أزلي؟ وما يهم المقالة هنا أنَّ الشِعر ولد من عجز الترجمة عن نقل المعنى كما هو -بسياقاته- من بيئةٍ إلى بيئة مغايرة جدا، فاخترعت لها خطًا آخر هو ما سُمِّي الشعر، وهذا يُنبهنا إلى أنَّ الترجمة الحرفيّة هي انحراف عن معنى الترجمة الحقيقية، والانحراف من الحرف أي ترجمة حرفية، وليست الترجمة التسليعيّة إلا فرع عنها. والأهم أن هذا الخطّ المبتكر يُرشدنا إلى وادي عبقر الحقيقي وهو (اغتراب المعنى عن السياق البيئي)، أليس يُقال المعنى في بطن الشاعر؟ أي أنَّ الشاعر تقبع في أعماقه بيئةٌ مغايرة لبيئة الجماعة ولمَّا يُخرج مرادَه بألفاظ الجماعة فإنه أمام منطق الجماعة يُعدّ شاعرًا؛ لأنه انحرف عن معنى الجماعة وعمَّا تحكيه العرب.
إذن إما أن يكون المعنى من قلب البيئة العربية الأصيلة فهذا هو النثر الفني (أصل الشعر العربي كما في حكاية عبد الرحمن بن حسان حين جاء إلى والده قائلا: لسعني طائر كأنّه ثوب حبرة، فقال حسان: قال ابني الشعرَ ورب الكعبة)، وإما أن يكون المعنى من بطن بيئة مغايرة، ولكي تميّزه العربُ ووضعته في قوالب وسمّته كلامًا موزونا مقفى دلَّ على معنى وعاطفة، وكأنَّ ما في بطنِ القائل وُضِعَ في سجن القافية والوزن لأنه غير حر ليتجول في بيئة ليست بيئته. ومع مرور الزمن ضاع هذا المعنى العميق لتأسيس السجن المعنوي، إذ أصبح العرب يضعون في هذه القوالب معانيهم الأصليّة، وفرقوا بين الشِّعر والنثر تفريقًا مدرسيًا، بعيدا عن جذوره التي قدحت في رأس المترجم الأول يعرب بن قحطان.
التفاتة:
روي عن شهر بن حوشب أنه قال «لما قتل ابنُ آدم أخاه، مكث آدم مئة سنة لا يضحك، ثم قال الشعر». فهل الشِعر والضحك وجهان لعملة واحدة؟ أم أنَّ الشعر هو ضحك الحزينين؟
Source link