نعلم أن الحرب الدائرة اليوم في منطقتنا تشكل لحظة تاريخية مفصلية فيما ينتج عنها من تغيرات وتهديدات أمنية، ونرصد كل يوم كيف تتمكن المملكة من إدارة المعادلة الصعبة بأخلاقيات وكفاءة عالية.
تدافع السعودية عن نفسها أمام عدو تاريخي غادر، وهذه قضية وجودية كبرى، فهل انكفأت على ذاتها وتمحورت حول نفسها وانشغلت عن محيطها؟ لا بل نجد أنها اتجهت مباشرة إلى سد الثغرات الإنسانية التي تتركها الأزمة هنا وهناك.
بدأ المشهد من اضطراب حركة الطيران وتعطل الرحلات الدولية، وعندها تحولت المملكة إلى نقطة عبور آمنة لكل محتاج دون تصنيف أو تسييس، حيث أعلنت سفارة جمهورية العراق أن المملكة وافقت على تسهيل نقل المواطنين العراقيين العالقين في الخارج، وتم تأمين وصولهم إلى مطار عرعر، ومن ثم نقلهم برا إلى بلادهم. سبق هذا الموقف تأمين عودة الزوار الإيرانيين إلى بلادهم، وتوجيهات باستضافة جميع العالقين من مواطني دول مجلس التعاون في المطارات السعودية مع تقديم كل التسهيلات لعودتهم لبلدانهم. كذلك تم تأمين مطارات بكاملها للخطوط الجوية لعدد من دول مجلس التعاون المتضررة من الاعتداءات الإيرانية.
في الوقت نفسه، تستمر جسور الإغاثة لعدد من الدول من خلال مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، الذي يواصل عمله لتقديم المساعدات في مجالات الغذاء والصحة والإيواء.
يحدث هذا في الوقت الذي تنشغل المملكة فيه بالدفاع عن أمنها والحفاظ على سلامة أراضيها، وكذلك بتأمين خطوط الإمداد والنقل للنفط والبضائع، لحفظ توازن الأسواق. أما في الداخل فكانت السعودية تدير موسم العمرة في رمضان، وهو الموسم الذي أتم فيه 90 مليون معتمر الزيارة في أمن وأمان وحماية، وأجواء روحانية صافية. ومن جهة أخرى، تحافظ بكل ذكاء على المعنويات العالية للشعب، وتعزز الشعور بالأمن والاكتفاء في أدق تفاصيل الحياة اليومية.
إن التأمل في التجربة السعودية الكبيرة خلال شهر مضى يكشف عمق القدرة على إدارة التوازن بين القوة والمسؤولية، إذ يبدو جليا أن القوة العسكرية السعودية هي جزء من صورة أكبر لدولة ثقيلة وازنة، تمتلك حضورا مؤسسيا قويا. كما تلتزم بقيم أخلاقية وإنسانية تجعلها قادرة على تقديم الرعاية لشعبها، وتمد يد العون لكل من يحتاجها.
ربما تكون هذه إحدى أهم الرسائل في مشهد الحرب: إن الرهان لا يقتصر على السلاح ولا قوة الردع ولا الموارد، بل على عقل الدولة القادر على إدارة كل الجبهات بالقوة والكفاءة والتأثير نفسها.