من الأمور اللافتة للانتباه أن يُسأل الناقد سؤالًا مكررًا، مرة داخل أرضه وأخرى خارجها، فيجيب في الأولى إجابة كاملة مرتاحة، وفي الأخرى يتلعثم ويتردد. هل يتلعثم لأن السؤال خارج الأرض يهدد السيادة؟ ربما، فالناقد الفحل يريد أن يستولي على قضيته كاملة، لهذا يشعر بالضيق عندما تطرح أمامه قضية خارج حدود سيطرته؛ لأنه لا يحب أن يكون ضعيفًا (لا يفهم التعريفات ولا يملك المفردات) وللقارئ أن يتخيل مقدمًا في قناة موسيقية يذهب إلى قاعة بحث يتداول أفرادها تاريخ الأفكار وحركة الأنساق الثقافية فيسأل رئيس القاعة عن رأيه في «سلامة العبد الله» ومشواره في الأغنية النجدية؟ ثم يُطالبه بقوة السلاح الأبيض (الميكرفون) عن المقارنة بين سلامة و«فهد بن سعيد»! هذا المشهد يحصل إعلاميًا لانتزاع مقولات تخرج الناقد ضعيفًا خارج أرضه، ومن ثم يكون كالجمل الذي كثرت سكاكينه حين سقط. والذي جرى أن هذه القاعة برئيسها استخدموا بقايا من أدوات بحثهم -التي لم تنشف بعد حيث فاجأهم المقدم- ليجيبوا عن السؤال، وليصنعوا جملًا (تأميمية) لغناء فهد وسلامة، فيسيطروا على السؤال، وهذه لعبة نقدية يصنعها الفحول: ما الذي يحدث حين تتحول الأصوات إلى شواهد مهترئة لصالح النظرية؟ وكيف نُحوّل -ونحن متقوقعين في القاعة- الذائقة إلى نسق فحولي بإلقاء العبء الجماهيري على سلامة العبد الله لإنقاذ ابن سعيد؟ وأقول العبء لأن الجماهير -عند جماعة القاعة البحثية- كلمة ملغومة، فهي مرة دليل تسليع ومرة دليل حيوية ومرة دليل شعبوية ومرة أخرى دليل تاريخ اجتماعي طويل من التحولات. ولنتخيل المقدم الإعلامي جاءه مس من ذكاء وسأل جماعة القاعة: إذا قيل إن سلامة العبدالله يجذب الجماهير في فترة الثمانينيات في نجد فهل انجذابهم نتيجة استدعاء الفنان لهم عبر وصفة جاهزة أم نتيجة حاجة اجتماعية وجدانية تاريخية جعلت صوته في لحظة ما ضرورة نفسية للناس، أو رؤية تاريخية لذاكرتهم المتنوعة؟ ولا أظن أن المقدمين الإعلاميين يمسهم الذكاء إلا إذا عددنا الخبث من الذكاء، وهو كذلك عند جماعة لغوية تسكن في القاعة المجاورة لقاعة جماعة الأفكار والأنساق، لهذا سنتوقع أن خبث المقدم حضر فسأل: إذا كان ناقد القاعة -عادة- يفكك مفهوم الجماهير وتعقيده أليس اختزالها هنا إلى (ما يجذب الجماهير) يصبح كأنه اختصار اضطراري للهرب من الأرض التقنية إلى أرض المفهوم العام؟ وهو بهذا يتعرى ويغتسل في حمامٍ من زجاج. السؤال المستهلك «أيهما أفضل سلامة أم فهد» يضع ناقد القاعة في زاوية خانقة: إن حول الفنانين إلى نماذج تشريحية تحت مجهر النظرية خرج من إيقاع الحلقة التي يريدها المقدم (الترنداوي) وقد يكون محط سخرية جماهيرية! فضلا عن كونه لا يستطيع لحظتها، وإن أجاب كما يجيب العاديين خان صورته النقدية، وإن اعترف بجهله الموسيقي فيفترض معها السكوت، ولكن هذا لا يرضي المقدم الذي ينزع الألسنة من الأفواه لتتكلم، لهذا فمن الطبيعي أن ترتبك القاعة البحثية وتجعل الإجابة مشطورة بين حكم صارم انحاز إلى الذائقة النسقية، وجملة اعتذارية لاحقة قبل أن يغادر المقدم: «لا نعرف الموسيقى ومقاماتها لذلك لا نكتب عنها في القاعة». جاءت هذه الجملة الأخيرة بعد أن خربت مالطا، وبعد أن أخذت القناة (ترينداتها) التي تريد.
التفاتة:
ارحموا النقاد من سؤالهم خارج أوطانهم.