نحن أمام تشخيص رسمي لخلل اجتماعي آخذ في الاتساع، فحين تُستدعى خطبة الجمعة لتذكير المجتمع بأمرٍ فطريٍّ أصيل، فهذا يعني أن شيئًا ما انكسر في المسار الطبيعي للحياة، وأن الزواج – الذي كان يوما بداية الاستقرار – صار عند كثيرين ملفا مؤجلا، أو عبئا يُخشى الاقتراب منه بدل أن يُستقبل بالطمأنينة. وحين تُذكّرنا الشريعة بأن الزواج آية من آيات الله، فهي لا تتحدث عن عقد اجتماعي بارد، بل عن سكن، ومودّة، ورحمة، عن توازن نفسي وأخلاقي يحفظ الفرد ويستقر به المجتمع.
الزواج في جوهره ليس رفاهية، ولا مشروع استعراض، بل عبادة وسُنّة ومسؤولية. هو طريق للعفاف، وحصن للأخلاق، وسياج يحمي الفطرة من التآكل البطيء. لذلك لم يكن عبثا أن يُربط في الخطاب الشرعي بحفظ الدين والنسل، فكل مجتمع يهوّن أمر الزواج يفتح – من حيث لا يشعر – أبواب القلق، والاضطراب، والانحراف. وما يُصان في البيوت لا تحتاج الشوارع إلى حراسته.
غير أن المشكلة لا تبدأ من الشباب وحدهم، بل من الحلقة الأثقل: الآباء والأمهات والأولياء. حين يتحوّل الخوف إلى تشدد، والحرص إلى تعقيد، والتقاليد إلى سلاسل. المغالاة في المهور، الإسراف في الحفلات، المبالغة في المتطلبات، كلها لا تعبّر عن مكانة الفتاة كما يُتصوّر، بل عن عبءٍ يُلقى على حياتها القادمة. هدي النبي ﷺ كان أبسط من كل ما نراه اليوم، ومع ذلك كان أعمق أثرا وأدوم بركة.
ومن أخطر ما يُغفل عنه في موضوع الزواج: عضل النساء، أو التشدد غير المبرر في قبول الكفء. حين يُرفض صاحب الدين والخُلق، لأسباب شكلية أو حسابات اجتماعية ضيقة، فإن ذلك لا يمر دون آثار. وقد نبّه النبي صلى الله عليه وسلم إلى خطورة هذا المسار، محذرا مما يترتب عليه من فتنة وفساد. فالخلل هنا لا يقتصر على حالات فردية، بل يمس ميزان القيم، ويعيد ترتيب الأولويات على نحو قد يُفرغ الزواج من مقاصده الأساسية.
وفي الجهة المقابلة، تظهر أصوات جديدة، ناعمة أحيانا، ساخرة أحيانا أخرى، تروّج للعزوف عن الزواج باسم «الحرية»، أو «الراحة»، أو «تحقيق الذات». منصات التواصل لم تعد تنقل أفكارا بريئة، بل تصنع سرديات كاملة تُشوّه الزواج، وتُضخم فشله، وتغفل عمدا عن ملايين البيوت المستقرة. هذه الدعوات لا تهاجم الزواج فقط، بل تضرب الفطرة، وتنسف فكرة الأسرة من جذورها، وتضع الفرد في مواجهة طويلة مع الوحدة.
من هذا المنطلق، فإن تيسير الزواج مسؤولية مشتركة لا تقتصر على الفرد أو الأسرة، بل تشمل المجتمع بمؤسساته وأفراده. وإعانة الراغبين في الزواج، سواء عبر الدعم المعنوي أو المادي، وصرف الزكاة والصدقات لمستحقيها بطرق تحفظ الكرامة، تُعدان من أعظم أبواب الوقاية الاجتماعية. فالزواج حين يُيسّر لا يحمي فردا واحدا فقط، بل يُسهم في بناء مجتمع أكثر توازنا واستقرارا.
ختاما، توحيد خطبة الجمعة للحديث عن الزواج رسالة واضحة بأن الوقت حان لإعادة النظر في كثير من المسلّمات الاجتماعية. فإما أن يُعاد للزواج بساطته ومكانته الطبيعية، أو تستمر دائرة التأجيل والتعقيد، مع ما يصاحبها من آثار نفسية واجتماعية تتسع يوما بعد يوم.
الزواج لا يحتاج خطابات جميلة بقدر ما يحتاج شجاعة جماعية: شجاعة التخفف، والتنازل، وإعادة النظر. وإلا، فسنظل نعالج النتائج، ونترك السبب يتضخم.. حتى لا يبقى ما يُعالج.