وتكتسب هذه المنطقة أهميةً دينيةً استثنائيةً لاحتضان المملكة العربية السعودية للحرمين الشريفين، واحتضان دولة فلسطين للقدس الشريف، بما يجعلها مركزًا روحيًا للعالمين العربي والإسلامي، ويضفي على استقرارها بُعدًا يتجاوز الجغرافيا والسياسة إلى عمق الهوية الحضارية للأمة، كما تمتلك هذه المنطقة أكبر احتياطيات النفط والغاز عالميًا، وتشرف على ممرات بحرية حيوية ” الخليج العربي ومضيق هرمز، وبحر العرب والبحر الأحمر وباب المندب”، فضلاً عن كونها الأكثر تعرّضًا للتحديات التي تمسّ الأمن القومي العربي بصورةٍ مباشرةٍ.
وتبرز المملكة العربية السعودية في هذا المشهد بوصفها الركيزة الأهمّ في معادلة الاستقرار الإقليمي، بما تمتلكه من ثقلٍ سياسيّ واقتصاديّ ودينيّ، وبما تبنّته من سياسات متوازنة ومبادرات دبلوماسية مسؤولة أسهمت في تهدئة التوترات، وتعزيز التعاون بين الدول، وحماية أمن الطاقة العالمي، وضمان استقرار الممرات البحرية، وقد رسّخت المملكة حضورها كقوة محورية قادرة على قيادة الجهود العربية نحو بيئة أكثر أمنًا وتوازنًا في منطقة تتقاطع فيها مصالح دولية واسعة.
ورغم هذا الثقل السياسي والاقتصادي والأمني الذي تمثّله الدول العربية ” الآسيوية” ، فإن مواقف الجامعة العربية تجاه الأزمة الخليجية الأخيرة لم يكن بمستوى المسؤولية التاريخية الملقاة على عاتقها، ولا بالسرعة التي تفرضها طبيعة التحديات التي تواجه المنطقة،وهو ما يعكس الحاجة الملحّة إلى تطوير آليات العمل العربي المشترك، وتعزيز قدرته على الاستجابة الفاعلة للأزمات، بما يواكب التحولات المتسارعة ويصون الأمن القومي العربي.
كما تبرز أهمية العمل العربي المشترك على احتواء الخلافات داخل بعض الدول العربية الآسيوية، بما يحفظ استقرارها ويعزّز مؤسساتها الوطنية، في إطار احترام سيادة كل دولةٍ وعدم التدخل في شؤونها الداخلية إلّا بناءً على طلب حكوماتها الشرعية ووفق ما يقرّه القانون الدولي. وفي المقابل، يصبح من الضروري التصدي لأي تدخلاتٍ خارجيةٍ غير مشروعةٍ تستغلّ هذه الخلافات عبر دعم جماعاتٍ مسلّحةٍ، أو ترتيباتٍ عسكريةٍ تهدّد أمن الدول العربية أو تخلّ بتوازن المنطقة، بما يعزّز قدرة الدول العربية على مواجهة التهديدات ضمن إطارٍ عربيٍّ خالصٍ يحفظ أمنها واستقرارها.
وتشير المعطيات إلى أنّ الدول العربية الآسيوية تمتلك قدراتٍ كبيرةً يمكن أن تتعاظم إذا جرى تنسيقها ضمن إطارٍ مشترك، فاقتصاديًا تمتلك هذه الدول موارد ضخمة وأسواقًا مترابطة، وأمنيًا يمكن للتنسيق الدفاعي والاستخباراتي أن يعزّز منظومة الردع الإقليمي، وسياسيًا يمنح توحيد المواقف قوة تفاوضية أكبر، وجيوسياسيًا يتيح التعاون المشترك حمايةً أفضل للممرات البحرية وخطوط التجارة والطاقة العالمية.
وانطلاقًا من هذه المعطيات، يبرز مقترح دراسة إنشاء إطارٍ جديدٍ يحمل اسم مجلس التضامن العربي الآسيوي، يجمع الدول العربية في آسيا ضمن منظومة سياسية وأمنية واقتصادية موحّدة، ويعمل على تعزيز التكامل بين دول الخليج والمشرق العربي، وتنسيق السياسات الخارجية، وبناء منظومة دفاع مشترك، ودعم استقرار الدول التي تواجه تحديات داخليةً أو تدخلات خارجية، بما يسهم في تشكيل طوق أمني عربي آسيوي يعزز الاستقرار في واحدة من أهم مناطق العالم.
ويتوافق هذا المقترح المهم مع الدور القيادي الذي تضطلع به المملكة، إذ يعزز مكانتها السياسية والاقتصادية والأمنية، ويمنحها إطارًا مؤسسيًا أوسع لدعم الاستقرار الإقليمي، واحتواء التهديدات، وصناعة بيئة آمنة تخدم مصالح الدول العربية والعالم، ويمكن أن يكون مقر هذا المجلس في الرياض بوصفها مركز القرار العربي الآسيوي، أو في نيوم باعتبارها رمزا لرؤية المملكة المستقبلية وطموحها في بناء منظوماتٍ إقليميةٍ حديثةٍ وفعالة.
دراسة إنشاء هذا المجلس تمثّل خطوةً مهمةً نحو تطوير منظومة الأمن القومي العربي على أسسٍ واقعيةٍ تستجيب لطبيعة التهديدات، وتستثمر في القوة الحقيقية للدول العربية الآسيوية، التي يمكن أن تشكّل، إذا توحّدت أبرز التكتلات الإقليمية المؤثرة عالمياً. وتقع دراسة جدوى هذا المقترح بطبيعتها ضمن اختصاص أصحاب القرار في الدول العربية الآسيوية، بوصفهم الأقدر على تقييم متطلبات المرحلة، وتحديد شكل الإطار المؤسسي الأنسب لتعزيز العمل العربي المشترك، وبما يدعم في النهاية دور الجامعة العربية ويمنحها مسؤوليةً أعظم، وقدرةً أكبر على مواكبة تحديات المستقبل.