تبدأ الرحلة قبل أن تبدأ، منذ لحظة التفكير في الالتحاق، ومعها سباق الاستيفاء والقبول والانتظار. متطلباتٌ تتزاحم، ومقاعد محدودة، ومنافسة تستنزف ما تبقى من هدوءٍ قبل أن يفتح الفصل الأول. ثم ما إن يبدأ الطالب حتى تظهر «الحياة المزدوجة»: مقررات وبحوث ومواعيد تسليم لا تتوقف، بالتوازي مع عملٍ وأسرةٍ والتزاماتٍ مالية. وهنا لا يعود السؤال: هل تستطيع إنجاز مهمة واحدة؟ بل يصبح: هل تستطيع أن تستمر؟
والضغط في الدراسات العليا لا يأتي من بابٍ واحد؛ إنه صراعٌ صامت يتبدّل ويغيّر شكله، لكنه يلازم الطالب في أغلب المحطات: تارةً في كثافة القراءة، وتارةً في صرامة المعايير، وتارةً في طول الطريق وما يرافقه من قلق الاستمرارية. وقد تزيده ظروفٌ خارج قاعة الدرس: ضيق الوقت، وثقل الأدوار، وتذبذب الاستقرار، وتفاوت الدعم من المحيط. وهي تفاصيل لا تظهر في عنوان الخطة الدراسية، لكنها تُكتب يوميًا في حياة الطالب.
ومع تتابع الشهور قد يتشكل ما يسميه كثيرون «الاحتراق الأكاديمي»؛ إرهاقٌ ذهني وانفعالي لا يهبط دفعة واحدة، بل يتسلل على مهل: يبدأ بتأجيلٍ بسيط، ثم شعورٍ بالذنب، ثم قلقٍ متصاعد، ثم فتورٍ تجاه العمل نفسه. وفي مسحٍ أجرته مجلة «Nature» عام 2019 عن الصحة النفسية لطلبة الدكتوراه، قال جزءٌ من المشاركين إنهم طلبوا مساعدة بسبب القلق أو الاكتئاب المرتبط بالدراسة، كما وصف كثيرون بيئاتهم بأنها أقرب إلى «ثقافة ساعات طويلة». والأسوأ أن الاحتراق لا يستهلك الطاقة فقط، بل يطال الثقة: يتحول الإنجاز إلى عبء، ويصير التأخر دليلًا داخليًا على الفشل، لا نتيجة طبيعية لطريقٍ مزدحم وطويل.
ثم تأتي لحظة العزلة، وهي من أصدق ما في هذه التجربة؛ إذ يعيش الطالب في عالمٍ لا يراه الآخرون: بين السطور، وخلف الشاشات، وفي عمق التفكير، بينما الحياة حوله تمضي بإيقاعها المعتاد. وحين يغيب التصفيق، وتطول ساعات الوحدة، يصبح الثبات هو المهارة الأولى، لا الذكاء ولا الحماسة.
ومع تقدم الطالب تتغير طبيعة الضغط ولا تخف. ففي البدايات يضغطك «الكمّ» من قراءات وواجبات وتسليمات، ثم يضغطك «المسار» ذاته: هل ما أفعله يسير في الاتجاه الصحيح؟ هل سأثبت؟ هل سأتجاوز المحطات الكبرى؟ ثم تأتي لحظات مفصلية—كالاختبار الشامل أو اعتماد موضوع الرسالة—فتصنع أثرًا نفسيًا واضحًا؛ لأن كلمة واحدة بالاجتياز قد تمحو في الداخل أسابيع من إنهاكٍ مكتوم، لا لأنها تلغي التعب، بل لأنها تمنحه معنى. ولعل لحظة اعتماد موضوع الرسالة من أصدق لحظات الطريق؛ ليست نهاية، لكنها «تثبيت اتجاه»: انتقالٌ من الدوران حول الفكرة إلى السير بها في مسارٍ واضح، ومن التشتت إلى العنوان.
ثم يظهر ضغطٌ آخر لا تعلنه الجداول ولا تذكره الخطط: ضغط السؤال الاجتماعي. «متى تخلص؟» سؤال يبدو بريئًا، لكنه يضغط مثل عدّادٍ فوق الرأس، خصوصًا حين يقارن الطالب نفسه بزميلٍ أنهى قبله، أو حين يشعر أن زمنه يتسرب بينما هو ما يزال في منتصف الطريق. ويشتد الحمل على من يعيش التجربة دون دعمٍ كافٍ، أو على من تتداخل التزاماته الحياتية مع متطلبات الدراسة حتى يصبح كل يومٍ مفاوضة جديدة مع الوقت.
ومع ذلك، من الإنصاف ألا تُروى هذه الرحلة بوصفها شكوى؛ لأنها في جوهرها تجربة بناء. الدراسات العليا تُعلّم ما هو أعمق من موضوع البحث؛ تُعلّم الصبر المنظم، وترتيب الأولويات، وإدارة الوقت، والبحث عن توازنٍ ممكن بين الطموح والحياة. وهي رحلة لا تُقطع غالبًا بالقفزات، بل بالثبات: أن يواصل الطالب في الأيام الجيدة، وألا ينقطع في الأيام الصعبة، وأن يختار الاستمرار حتى حين لا تبدو النهاية قريبة.
ولهذا تُستحق هذه التجربة أن تُثمَّن. فالطالب الذي يتحمل ضغطها لا يخرج بشهادة فقط، بل يخرج بقدرةٍ أعلى على الفهم والتحليل، وبمهارةٍ في التعامل مع المسائل المعقدة، وبنضجٍ شخصي لا يُمنح مجانًا. والحصاد الحقيقي ليس ورقةً تُعلّق، بل عقلٌ أهدأ، ونظرٌ أعمق، وقدرةٌ أعلى على الاحتمال واتساع في المعنى؛ كأن المعاناة كانت «مصهرًا» أعاد تشكيل أدواته، لا عائقًا حاول كسره فحسب.
إنها رحلة فيها احتراق كثير، نعم؛ لكنها أيضًا رحلة استحقاق. فالثمرة لا تأتي دون ثمن، وما يشقّ على النفس اليوم يخفّ غدًا حين يظهر أثره. وحين يقف الطالب عند النهاية – أيًّا كانت صورة النهاية – مناقشة، أو نشرًا،…