هذه الحكاية يُمكن أن توجد في تراثٍ غير روسيٍّ ولكنَّ الأرضَ الروسيّة -الأرضَ المباركة كما سمّاها أحمد الشرع- هي نموذج حي لما يُمكن تسميته أرض الموت، والموت يعني أن تُسلب منك حياتك، وبين الموت والبركة علاقة مدهشة، يشرحها سؤال: ما معنى أن يُقال «هذا المال فيه بركة»؟ أليس هو دخل السلب؟ أي من كان دخله نصف مليون واحتاج إلى ضعفه ليغطي احتياجات علاجية مثلًا أو غيرها فدخله دخل إيجاب فحسب وهو ما يُسمى مالًا لا بركة فيه، أما من كان دخله خمسة آلاف وسُلِبت عنه الاحتياجات التي تقضّ مضجع الحياة فدخله دخل سلب، أي صار دخله القليل جدًا أعلى من احتياجاته أو مساوي لها، وهو ما يُسمّى مالًا مباركا، وهذه هي الأرض الروسية في حكاية تولستوي، الأرض التي تسلب الحياةَ كاملة إذا أردتها كلها، لكن إذا أردتَ منها ما يُلائم قياسك فإنَّها تسلب منك احتياجك للآخرين وللعالم وتُبقي دخلك مباركًا، ولهذا مات الفلّاح في الحكاية قبل أن يصل إلى غايته -لأنه أراد الأرض الروسية كلها- وصار لا يملك إلا قبره الذي دُفن فيه. الموتُ هو سلب الاحتياجات الدنيوية كلها لدرجة أنَّ قبرًا بحجم مترين في متر يكفي الحاجة، والمفارقة أنَّ الإنسان لا يصل إلى غاية البركة إلا حين يموت، وربما هذا معنى سؤال سفيان الثوري: ما تصنع بشيء إذا بلغت منه الغاية تمنيت أن تنجو منه كفافا؟ وربما كان سؤال الثوري هو عنوان حكاية تولستوي، إذ حين بلغ الفلاح غايته من الدنيا وافاه الموت فتمنّى لو أخذ من الأرض ما يكفيه، وكأنَّ الوصولَ إلى الغاية يعني -حتمًا- حضور الموت، وهذا المعنى الثَّوري -نسبةً للإمام سفيان- ينقلنا إلى ما قاله الفيلسوفُ الفرنسي بودريار من أنَّ الغايات الكبرى للحداثة تتحوّل إلى صورٍ تكتفي بمحاكاة نفسها ولا يمكن أن تتحقّق على الأرض فعليًا، ومعنى ذلك في سياق حكايتنا أنَّ الغاية تتحول إلى صورة تطاردنا، كلما ظننا أننا اقتربنا من الاكتمال اكتشفنا أنَّ الاكتمال نفسه تَحوَّل إلى شاشةٍ تُعيد إنتاج الرغبة، فبدل أن نبلغ السعادة نبلغ صورها كنجاح وظيفي ورفاهية بالأرقام، وبدل أن نمتلك المعنى نمتلك شعاراته وقوالبه: كتحقّق ذات، وتقدمٍ وحرية وغيرها من السرديات الكبرى، لأنَّ ما يحدث هو أنَّ الواقع يزاح تدريجيًا لصالح محاكاته، وأنَّ العلامة تصبح أصدق من التجربة، وأننا نمتلك (دليل) الغاية وليس الغاية نفسها، لهذا يزداد الدخل المالي وتزداد معه الحاجات والتكاليف فتصعد الأرقام بينما العيش يهبط، وسنُلاحظ علاقة هذا القول بحكاية تولستوي من ناحية أنَّ الفردية رغباتها أكثر من زمانها، لهذا صارت – كالفلّاح في الحكاية- دخلها بلا بركة انتهى بها إلى الموت/الخروج من الأرض/سرديات ما بعد الحداثة، وهذا ما جعل بعض فلاسفة روسيا -بعد فراغ سقوط الاتحاد السوفيتي- يهتمون ببناء أيديولوجية يمكن لي أن أسميها (دخل البركة) تقوم على فكرتين: الأولى أنَّ العالم يجب أن يُدار بأقطاب حضارية متعددة وليس قطبًا واحدًا لا تُشبع رغباته أبدًا كفلّاح تولستوي الذي رغب أن يملك روسيا كلها وحده، لكنه لم يملك إلا قبره، الأخرى: أنَّ الشعب كائن حي له لغة ودين وعادات وذاكرة وليس مجرد أفراد متعاقدين، أي له نقطة بدء يعود إليها إذا امتدّ أو انحرف. ومن هنا كأن هؤلاء الفلاسفة الروس الجدد يستعيدون حكاية تولستوي ليجعلوها قاعدة سياسية: إذا توسعت بلا قدرة على العودة إلى أصلك ستخسر أرضك التي انطلقت منها للاحتلال.
التفاتة:
تتشابه سوريا وروسيا بالحروف، حتى إنَّ (روس) هؤلاء أطلت من (سور) أولئك فماذا وجدت؟ وجدت أن البركة هي الحد الذي يوقف نزيفَ الزمن.