لكن مع مرور الوقت بدأت الأسئلة المقلقة تظهر. هل هذا «المزيد» يوفر صحة أفضل؟ أم إنه يخلق حركة أكبر، وتكلفة أعلى، ونتائج لا تتحسن بالقدر نفسه؟ من هنا نشأ الجدل العالمي حول الانتقال من نموذج يقوم على الكم إلى نموذج يركز على القيمة نموذج لا يسأل: كم خدمة قدمت؟ بل يسأل: ماذا تغير فعلاً في صحة الإنسان وجودة حياته؟
القيمة في الرعاية الصحية لا تعني تقليل الخدمة ولا خفض الإنفاق لمجرد الخفض، كما لا تعني حرمان المريض مما يحتاجه. بل تعني ربط الموارد بالنتائج، وأن يكافأ النظام الصحي على ما يفيد فعلاً، لا على ما ينفذ بكثرة. وحين تتغير الحوافز يتغير السلوك تلقائياً وتتغير معه طريقة التفكير في التشخيص والعلاج والمتابعة.
المستفيد الأول من هذا التحول هو المريض، ففي نموذج الكم، قد يتلقى فحوصات وإجراءات متعددة من دون أن ينعكس ذلك تحسناً حقيقياً في صحته بل ربما يتعرض لأخطار لم يكن ليتعرض لها لولا تلك الإجراءات، أما في نموذج القيمة، فيصبح التركيز على ما يصنع فرقاً فعلياً في مسار المرض، مع تقليل التدخلات غير الضرورية التي تثقل كاهله من دون فائدة واضحة، بل وربما تضره في بعض الأحيان.
ويستفيد الممارس الصحي بدوره من هذا التحول. فبدلاً من ضغط السرعة وكثرة الإنتاج، يعاد الاعتبار للحكم السريري، والتواصل مع المريض، واتخاذ القرار الصعب عندما يكون «عدم التدخل» هو الخيار الأفضل. في هذا النموذج، لا يكافأ الطبيب على عدد ما أنجزه، بل على جودة ما اختاره، وهو ما يعزز الممارسة المهنية الرشيدة ويخفف من الطب الدفاعي. أما النظام الصحي، فهو المستفيد الأكبر على المدى الطويل. فالأنظمة التي تكافئ الكم تميل بطبيعتها إلى الهدر والتكرار واستنزاف الموارد، بينما الأنظمة القائمة على القيمة تصبح أكثر قدرة على توجيه إنفاقها نحو الوقاية، والرعاية الأولية، وإدارة الأمراض المزمنة، وهي المجالات التي تصنع الفرق الحقيقي في صحة السكان واستدامة التمويل.
في السعودية يأتي هذا التحول في لحظة مفصلية. فالتحول الصحي لا يهدف فقط إلى توسيع السعة أو تحسين الوصول والحصول على الخدمات الصحية، بل إلى إعادة تعريف معنى النجاح الصحي ذاته. الانتقال من سؤال «كم قدمنا؟» إلى «ما القيمة التي خلقناها؟» ينسجم مع رؤية أوسع تسعى إلى ربط الجودة بالنتائج، والإنفاق بالأثر، والمساءلة بالتحسين لا بالعقاب.
غير أن هذا التحول ليس سهلاً، ولا يخلو من تحديات. فقياس القيمة أكثر تعقيداً من عد الخدمات، ويتطلب بيانات موثوقة، ومؤشرات ذكية، وثقافة مؤسسية تتقبل التغيير. كما يتطلب حواراً صريحاً مع الممارسين والمرضى حول معنى الجودة، وحدود الطب، وأهمية التوازن بين الطموح والواقعية.
في نهاية المطاف، الانتقال من الكم إلى القيمة لا يفيد طرفاً واحداً فقط. إنه يفيد المريض حين تحترم صحته، ويفيد الطبيب حين تحترم مهنيته، ويفيد النظام حين تحترم موارده. وهو قبل ذلك كله خيار يعكس نضجاً في فهم الرعاية الصحية: أن الهدف ليس أن نفعل أكثر، بل أن نفعل ما يستحق أن يفعل.
وهنا، لا يعود السؤال الحقيقي: من المستفيد؟ بل يصبح السؤال الأهم: كيف نضمن أن يستفيد الجميع؟