ما أثار الانتباه أكثر هو أن هذه الأصوات لم تقتصر على حديثي التخرج فقط، بل امتدت إلى أطباء مضت عليهم سنوات وهم يحاولون الوصول إلى الاستقرار الوظيفي. في المقابل، لا تزال شكاوى المرضى من تأخر المواعيد وصعوبة الوصول إلى خدمات طب الأسنان حاضرة، خصوصًا في بعض المرافق الصحية. هذه المفارقة تطرح تساؤلًا جوهريًا حول طبيعة الخلل: كيف يمكن أن تتزامن وفرة الكوادر مع استمرار الحاجة إلى الخدمة؟
متابعة هذا النقاش، توضح ملامح مشكلة مركبة لا يمكن اختزالها في سبب واحد. فهناك من يشير إلى محدودية الفرص في القطاع الحكومي مقارنة بتزايد أعداد الخريجين، وهناك من يتحدث عن تحديات التوظيف في بعض منشآت القطاع الخاص، سواء من حيث شروط الخبرة أو مستوى الرواتب أو استقرار العقود. كما تظهر فجوة بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل، خاصة في التخصصات الدقيقة، إلى جانب تفاوت التوزيع الجغرافي للفرص الصحية، حيث تتركز الوظائف في نطاقات معينة بينما تبقى مناطق أخرى بحاجة أكبر للخدمات.
هذه الصورة المتداخلة تقود إلى مجموعة من الأسئلة التي تبدو منطقية في ظل هذا الواقع:
لماذا يشعر كثير من الخريجين بأن الطريق إلى الممارسة المهنية أطول مما ينبغي؟
هل تكمن المشكلة في آليات التخطيط الصحي أم في سياسات التوظيف أم في مواءمة التخصصات مع الاحتياج الفعلي؟
وهل يعكس ما نراه اليوم مرحلة انتقالية طبيعية يمر بها القطاع الصحي، أم أن هناك خللًا يحتاج إلى مراجعة أعمق؟
طرح هذه الأسئلة لا يعني البحث عن طرف يتحمل المسؤولية بقدر ما هي محاولة قراءة المشهد بشكل أشمل، لأن أي معالجة فعالة تبدأ بفهم دقيق للسياق الذي نشأت فيه المشكلة.
من زاوية أخرى، لا يمكن إغفال التحول الكبير الذي يشهده القطاع الصحي ضمن مستهدفات رؤية المملكة 2030، والذي يركز على رفع كفاءة الخدمات، وتعزيز دور الوقاية، وتوسيع مشاركة القطاع الخاص، وتحسين جودة الحياة. هذه التحولات تمثل فرصة حقيقية لإعادة تنظيم العلاقة بين مخرجات التعليم واحتياجات السوق، ولبناء نماذج تشغيل أكثر مرونة تستوعب الكفاءات الوطنية بشكل أفضل.
وفي هذا السياق، تبرز مجموعة من المقترحات التي قد تسهم في تقليص الفجوة بين الخريجين وسوق العمل، من أهمها تعزيز التخطيط المبني على بيانات احتياج محدثة، وتوسيع برامج التدريب والتأهيل بعد التخرج، وزيادة فرص التخصص والزمالات، إلى جانب تحفيز الاستثمار في مراكز الرعاية الأولية وطب الأسنان الوقائي. كما أن تطوير سياسات تشجع على التوزيع العادل للكوادر بين المناطق، ودعم مسارات ريادة الأعمال الصحية، قد يمنح الأطباء خيارات أوسع للممارسة المهنية خارج المسار التقليدي للتوظيف.
تعزيز الشفافية في نشر البيانات المتعلقة بالاحتياج الفعلي للكوادر الصحية قد يسهم في بناء صورة أوضح لدى الطلاب قبل اختيار التخصص، ويساعد في مواءمة التوجهات التعليمية مع متطلبات المستقبل. فوضوح المعلومات أحد أهم أدوات التخطيط طويل المدى لأي قطاع مهني.
في النهاية، ما يظهر من نقاشات وتجارب على منصات التواصل الاجتماعي لا يمكن اعتباره مجرد حالة تذمر عابرة، بل هو مؤشر يستحق القراءة الجادة، لأنه يعكس تجربة إنسانية ومهنية في الوقت نفسه. التعامل مع هذا الملف برؤية شاملة وقرارات مبنية على بيانات واضحة لن ينعكس فقط على استقرار الأطباء، بل سيسهم في تحسين جودة الخدمات الصحية وتعزيز كفاءة النظام الصحي ككل، وهو هدف يتقاطع مع طموحات المرحلة القادمة ويعزز ثقة المجتمع في منظومته الصحية.