أنا بصراحة لا أرى أن عندي مشكلة كبيرة، أهلي هم الذين يقولون إنني مدمن ويضغطون عليّ للعلاج.
المعالج: وأنا لن أقول لك الآن إنك مدمن أو غير مدمن، لكن اسمح لي أن أسألك بعض الأسئلة، وأنت أجب بنفسك.
المدمن: تفضل.
المعالج: عندما بدأت تتعاطى، هل كنت تتوقع أن يصل بك الأمر إلى هذه المرحلة؟
المدمن: أبدًا، كنت أقول أجرب فقط، وأستطيع التوقف متى أردت.
المعالج: وهل توقفت عندما أردت؟
سكت الشاب قليلًا ثم قال: حاولت أكثر من مرة، لكنني أعود.
المعالج: لماذا تعود؟
المدمن: أحيانًا بسبب أصحابي، وأحيانًا عندما أكون متضايقًا أو عندي مشكلة، وأحيانًا أشعر أنني لا أستطيع أن أرتاح من دونه.
المعالج: إذن في البداية كنت أنت الذي يقرر متى يتعاطى، والآن من الذي يتحكم في القرار؟
صمت الشاب، ثم قال: بصراحة… المخدر أصبح يتحكم فيّ أكثر مما أتحكم فيه.
المعالج: وهل أثّر ذلك في حياتك؟
المدمن: نعم.
المعالج: كيف؟
المدمن: تغيرت علاقتي بأهلي، وخسرت بعض أصدقائي، وصرت كثير الغياب، وعندي مشاكل مالية، وحتى نفسيتي تغيرت.
المعالج: لو لم تدخل المخدرات حياتك، هل تعتقد أن بعض هذه المشكلات كانت ستحدث؟
المدمن: ربما بعضها، لكن بالتأكيد ليس بهذا الشكل.
المعالج: إذن من الذي يدفع الثمن؟
المدمن: أنا… وأهلي أيضًا.
المعالج: لو استمر الوضع خمس سنوات أخرى بالطريقة نفسها، كيف تتخيل حياتك؟
تغيرت ملامح الشاب وقال: لا أريد حتى أن أتخيل. يمكن أن أخسر أهلي وعملي وصحتي، ويمكن أن تحدث أشياء أسوأ.
المعالج: وإذا بدأت العلاج من اليوم، كيف تتخيل حياتك بعد خمس سنوات؟
المدمن: من الممكن أن أرجع لحياتي الطبيعية، وأستعيد ثقة أهلي، وأشتغل وأعيش مثل الناس.
المعالج: أي الصورتين تريد؟
المدمن: الثانية طبعًا.
المعالج: ومن يستطيع أن يختار الطريق إليها؟
المدمن: أنا.
المعالج: وهل العلاج يعني فقط أن تتوقف عن المادة المخدرة؟
المدمن: أعتقد لا. لأنني لو توقفت ورجعت لنفس الأصحاب ونفس الأماكن ونفس طريقة تعاملي مع الضغوط، ممكن أرجع للتعاطي.
ابتسم المعالج وقال: أنت بدأت الآن تضع خطة علاجك بنفسك. ماذا تحتاج أيضًا؟
المدمن: أحتاج أن أعرف لماذا أتعاطى أصلًا، وكيف أتعامل مع مشاكلي من دون مخدر، وأبتعد عن الأشخاص والأماكن التي تدفعني للتعاطي، وألتزم بالعلاج والمتابعة.
المعالج: وإذا تعثرت في مرحلة من مراحل العلاج، هل تقول: انتهى كل شيء وأعود للمخدرات؟
المدمن: لا، المفروض أن أرجع للفريق العلاجي وأعرف سبب التعثر وأكمل.
المعالج: ومن سيساعدك؟
المدمن: الطبيب والمعالج والأخصائي والفريق العلاجي، وأحتاج دعم أسرتي أيضًا.
المعالج: بقي سؤال واحد: أنت في بداية الجلسة قلت إن أهلك هم الذين يريدون علاجك. والآن، من الذي يريد العلاج؟
نظر الشاب إلى المعالج للحظات ثم قال: أنا.
المعالج: لماذا؟
المدمن: لأنني فهمت أنني إذا لم أتغير فسأستمر في خسارة نفسي وحياتي ومن حولي. كنت أعتقد أن العلاج عقوبة يفرضها أهلي عليّ، والآن فهمت أنه فرصة أستعيد بها حياتي.
المعالج: وما أول خطوة؟
المدمن: أن أعترف بأن لدي مشكلة، وأقبل المساعدة المتخصصة، وألتزم بالخطة العلاجية، وأغير البيئة والأشخاص والسلوكيات التي تعيدني إلى التعاطي. لا أريد أن أتوقف أيامًا ثم أعود؛ أريد أن أتعلم كيف أعيش دون مخدرات.
ابتسم المعالج وقال: الآن بدأت رحلة العلاج الحقيقية.
خرج الشاب من الجلسة وقد تغير السؤال في داخله؛ دخل وهو يسأل: «كيف أقنعهم أنني لست بحاجة إلى العلاج؟» وخرج وهو يسأل: «ماذا أفعل حتى أستعيد حياتي؟»
وهنا تظهر أهمية الحوار العلاجي؛ فالمتعاطي قد لا يحتاج دائمًا إلى شخص يكثر عليه الأوامر والنصائح، بقدر ما يحتاج إلى أسئلة تساعده على رؤية التناقض بين الحياة التي يعيشها والحياة التي يريدها.
فالقرار الداخلي بالتغيير خطوة أساسية، لكنه ليس بديلًا عن العلاج المتخصص. والتعافي من اضطراب تعاطي المواد رحلة قد تحتاج إلى تقييم طبي ونفسي واجتماعي، وخطة علاجية متكاملة، ومتابعة مستمرة، ودعم أسري، والوقاية من الانتكاسة.
العلاج لا يبدأ عندما يقول الآخرون للمدمن: يجب أن تتغير، بل يأخذ معنى أعمق عندما يصل هو بنفسه إلى قناعة:
أنا أريد أن أتغير، وسأقبل المساعدة التي تعينني على ذلك.