تندرج هذه المقاربة من ضمن تقليدٍ فكري نقدي تبنَّته تيّاراتٌ متعدّدة في دراسات الجندر والنسويّة، من بينها أفكار الكاتبة والشاعرة والمنظّرة الأميركيّة أدريان ريتش، الأكاديميّة والنّاشطة النسويّة الأميركيّة بيل هوكس، الفيلسوفة البلغاريّة – الفرنسيّة جوليا كريستيفا، الأكاديميّة والفيلسوفة الماركسيّة الأميركيّة أنجيلا ديفيس، والأكاديميّة والمنظّرة النسويّة الهنديّة شاندرا موهانتي. إلّا أنّ “رَحَم العالَم” كتابٌ يَتجاوز التخصُّص الأكاديمي السائد إلى مشروعٍ فكري يَفتح الباب أمام مُساءلة الجذور الثقافيّة لما نَظنّه طبيعيّاً أو غريزيّاً. الكتاب دعوة راديكاليّة لإعادة النّظر في بنية الخطابات المؤسِّسة للأمومة، ورفْض تأطيرها في رموزٍ صمّاء أو تمثيلاتٍ مثاليّة، فيُعرّي دَورَ الأمّ في الحفاظ على منظومة السلطة، كما يَكشف إمكانيّات المقاومة التي تَنشأ عندما تُفكِّر النساء في أمومتهنّ كأفعالٍ شخصيّة لا كواجباتٍ ثقافيّة.
السؤال المُحرَّم
منذ مقدّمته، يَفضح الكتابُ كيف لم تَسمح الثقافةُ العربيّة بتحويلِ الأمومة إلى سؤالٍ بحثيّ، بل عملت على “تسييجها داخل إطارٍ يَختلط فيه الدّيني والمحرَّم والمقدَّس والوطني” (ص29)؛ ما يَجعل الأمومة، على الرّغم من حضورها الطّاغي في الأدب والفنّ والقانون والخطاب الاجتماعي، واحدةً من المسلّمات التي لا تُمَسّ. وهنا تكمن شجاعة المشروع النقدي الذي تقترحه شيرين أبو النجا: تفكيك هذا الحصن، فترى أنّ “الأمومة بكلّ حمولتها الثقافيّة والاجتماعيّة والعائليّة تتحوَّل إلى خطابٍ يُهيْمِن على الذّات النسويّة من ناحيةِ تحقُّقِها أو كبْحِ تعبيرها عن نفسها” (ص7). تنطلق أبو النجا من تفكيك الأساس الفطري المزعوم للأمومة، لتُعيدَ قراءتها كفعلٍ ثقافي، يُصاغ داخل أنظمة السلطة، يتشكّل تحت تأثير طبقةٍ متشابكة من القوى: سياسيّة، دينيّة، اقتصاديّة، نفسيّة، ثقافيّة (ص36). وهي بذلك تُعيدنا إلى الأطروحة المؤسِّسة لأدريان ريتش في كتابها “عن المرأة المولودة: الأمومة كتجربة ومؤسَّسةOf Woman Born: Motherhood as Experience and Institution” (1976)، حيث تُميِّز ريتش بين “تجربة الأمومة” التي تعيشها النساء فعليّاً، و”مؤسَّسة الأمومة” التي تَخدم مصالح النظام الأبوي. وبالروحِ نفسِها، تُسائل أبو النجا الكيفيّة التي يتحوَّل فيها الجسدُ النسائي إلى موقعٍ للصمت والإذعان، ولاسيّما عندما يتمّ اختزال الأمومة إلى وظيفةِ تضحية أو وعاءٍ رمزيّ للهويّة الوطنيّة، فتُعيد إنتاجها داخل سياقات ما بعد كولونياليّة وعربيّة.
ويتقاطع هذا التحليل مع قراءات الفيلسوفة الأميركيّة جودي بتلر (Judith Butler) عن الجسد والأداء الجندري، وخصوصاً في كتابها “أجساد مهمّة Bodies That Matter” (1993)، حيث تُشير إلى أنّ الجسد لا يُولَد بمعنى، بل يُنتَج من ضمن نظامٍ دلالي واجتماعي يُملي عليه كيف يكون “ذَكراً” أو “أنثى”، “أُمّاً” أو “زوجة”.
هكذا، تُصبح الأمومةُ لدى أبو النجا فعلاً سياسيّاً وثقافيّاً مشحوناً، لا مسألةً طبيعيّة أو قَدَراً بيولوجيّاً. في إحدى أكثر أطروحات الكتاب إضاءةً، تُحذِّر أبو النجا من تحوُّل الأمّ إلى رمزٍ يَتجاوز فردانيّتها: فهي الوطن، التضحية، الشهادة، الصمود، بحيث “إذا جاء نموذجُ الأمّ مُخالِفاً للصورة الرّاسخة في الوعي الجمعي، تمَّ التعامُل معه بوصفه نشازاً يَستحقّ العقاب أو التجاهُل” (ص8). ولعلّ المُقارَنة التي تَعقدها المؤلِّفة بين أمّ الشهيد وأمّ الوطن، أو بين الأمّ التي تَختفي وراء نجاح أولادها وبين الأمّ التي تُذنَّب في حال فشلهم (ص27)، تُسلِّط الضوءَ على عنفٍ رمزيّ قائم على إفراغ الأمّ من فرديَّتِها، واختزالِها إلى مجرّد وظيفة “حارسة للقيَم”، أي كيف تُختزَل الأمّ إلى وظيفةٍ رمزيّة تؤدّي دورَها داخل سرديّات الوطن والمجتمع، لا باعتبارها ذاتاً مستقلّة.
المُقارَنة كأداة تفكيك
يُبنى الكتابُ على تقنيّة “المُقارَنة المُتوازية” (Juxtaposition) بين نصوصٍ أدبيّة وذاتيّة عديدة تَنتمي إلى سياقاتٍ ثقافيّة وزمنيّة مُتباعدة، لا لجمْع التشابُهات، بل “لإبراز المسكوت عنه بشكلٍ عابرٍ للحدود” (ص36). فالمُقارَنة هنا أداةُ تفكيكٍ وتعرية لا أداة تصنيفٍ وترتيب. المُقارَنة بين الكاتبة والفيلسوفة الفرنسيّة سيمون دي بوفوار وعالمة الاجتماع العربيّة فاطمة المرنيسي، أو بين الروائيّة الإيطاليّة إيلينا فيرانتي والشاعرة والأديبة المصريّة عائشة التيموريّة، لا تَهدف إلى خلْقِ تجانُسٍ، بل إلى إضاءة التباينات الطبقيّة، الثقافيّة، والدّينيّة في فهْمِ الأمومة. فتجربة الأمّ البرجوازيّة في باريس تَختلف جذريّاً عن تجربة الأمّ في المغرب داخل بنية تقليديّة مُتقاطِعة مع الدّين والسلطة الأبويّة. في هذا السياق، يُمكن استحضار أعمال بيل هوكس، بخاصّة “النظريّة النسويّة: من الهامش إلى المركز Feminist Theory: From Margin to Center ” (1984)، التي تفضح مركزيّة النسويّة البيضاء الغربيّة، وتدعو إلى تفكيك مفاهيم مثل الأمومة في ضوء الطبقة، العرق، والاستعمار. كما تتقاطع أعمال أبو النجا مع قراءات شاندرا موهاني في كتابها “تحت عيون الغرب Under Western Eyes”، الذي يَنتقد النّزعةَ الاستشراقيّة في تمثيل نساء الجنوب العالَمي داخل النسويّة الغربيّة.
فمقارنة دي بوفوار بـفاطمة المرنيسي، أو عائشة التيموريّة بـإيلينا فيرانتي، تَكشف كيف تَختلف شروط الأمومة بحسب الطبقة، والسياق التاريخي، والاستعمار، والتحوّلات الجندريّة.
وتوضِح المؤلِّفة أنَّ تجاوز الحدود الجندريّة ليس تهديداً للهويّة، بل “تلويث مقصود لنقائها” (ص42). فالخادمة في منزل دي بوفوار، أو نساء الطبقة الدنيا عند المرنيسي، يَمتلكْنَ حريّاتٍ قد تكون غائبة عن نساء الطبقة المتوسّطة المُحافظة.
هكذا تتحوَّل الأمومة إلى مُمارسةٍ جندريّة وطبقيّة، وليست مجرّد حالة وجدانيّة. في حالة المرنيسي، تُشكِّل الأمومةُ تقاطعاً بين السلطة الذكوريّة والخطاب الدّيني، بينما تعيش دي بوفوار صراعَها في قلب بنية بورجوازيّة كاثوليكيّة مُحافِظة (ص60).
شهادات نسويّة وتمثيلات شخصيّة
وسرعان ما ينتقل الكتاب من التحليل النظري إلى قراءة شهادات نسويّة حميمة – شِعراً ورسائل وسيَراً – كما في حواريّة الكاتبة والشاعرة والفنّانة التشكيليّة المصريّة سارة عابدين، والشاعرة والكاتبة المصريّة مروة أبو ضيف، أو تأمّلات الشاعرة والكاتبة والأكاديميّة المصريّة إيمان مرسال، والروائيّة التركيّة أليف شافاك.
تتكرّر الأسئلة الكبرى: كيف تكونين أُمّاً من دون أن تفقدي ذاتَكِ؟ هل يُمكن للأمومة أن تكون مَصدراً للفهْم لا للفقْد؟ هل يُمكن أن تحبّ الأمُّ أطفالَها من دون أن تَملكهم؟ تؤكّد أبو النجا أنّ الذّات الكاتبة غالباً ما تُغرقها الأمومة فلا تَترك لها مساحةً للتأمُّل أو الكتابة (ص73 – 82). في تجربة مرسال، تُصبح الصور الفوتوغرافيّة للطفولة وسيلةً لاستعادة الأمّ الغائبة أو المُختفية خلف ستار الأمان.
فتقول أبو النجا عن صور الأطفال التي تَختبئ أمّهاتُهم خلفَ ستار، إنّ هذه الصور تُعيد تشكيل علاقة الأمّ بالغياب والحضور، بين “الستار الذي يَمنح الأمان” و”الهويّة التي لا تُرى” (ص85). أمّا في أعمال شافاك، فتغدو الكتابةُ فعلَ التئام، يَتجاوز جراح الأمومة الخاصّة إلى جراح النساء في المُجتمع.
جسد الأمّ: من المقبرة إلى الأداة المعرفيّة
في تحليل لرواية “دنيا زاد” للمصريّة مَي التلمساني، يتجلّى الجسدُ كموقعٍ للمعرفة، لكنّه يتحوَّل أيضاً إلى مقبرة، يستحيل فقْدُ البنت صدمةً جسديّة ومعرفيّة. كما تَستدعي صورةَ “جيسي” في مسرحيّة “تصبحين على خير يا أمّي” للكاتبة الأميركيّة مارشا نورمان حيث تَنتحر الابنة للتخلُّص من استحواذ الأمّ.
تقول أبو النجا: “التشبُّث بالبنت هو أحد أشكال الأنانيّة” (ص95)، حيث تُفني الأمُّ ذاتَها في الابنة، وتَمنع عنها الهواء. قصّة الشاعرة عائشة التيموريّة التي فَقدت ابنتها، فقامَت بحرْقِ أشعارها كقربانٍ رمزي، يُقابلها مَشهد سرقة “ليدا” الدمية في رواية إيلينا فيرانتي، لتَستعيد الأم ابنتَيْها المسروقتَيْن. في الحالتيْن، الأمومة مشبعة بالذنب، والخسارة، والمحو الذّاتي (ص123).
كما تُذكّرنا تأمّلاتُ أبو النجا في صور الأمّهات الغائبات بأعمال ريغينا سيلفا، التي أرَّخت لتجربة “أمّهات ساحة مايو” في الأرجنتين، وهي حركة نسائيّة شكَّلتها أمّهات المفقودين قَسراً أثناء الديكتاتوريّة العسكريّة (1976 – 1983).
رفضتْ هؤلاء النسوة اختزالَ الأمومة إلى حزنٍ خاصّ، وحوَّلْنها إلى نضالٍ سياسي جماعي، ما يَعكس أنموذجاً للأمومة المُقاوِمة، والمُناهِضة للمؤسّسات القمعيّة (ص123 -166). ربّما أكثر فصول الكتاب إثارةً للجدل هو تحليله للأمّ الأبويّة، تلك التي تُعيد إنتاج سلطة الأب وتَحرس حدودَ النّظام الأبوي.
في قصّة “فتاة” للكاتبة الأميركيّة من أصل كاراييبي جمايكا كينكيد (ضمن مجموعتها “في قاع النهر”At the Bottom of the River)، تتحوَّل الأمُّ إلى جلّادٍ رمزي، توكِل إليها السلطةُ الاجتماعيّة مهمّةَ الضبط الكامل لسلوك الابنة. كذلك في قصّة نوال السعداوي “موت معالي الوزير سابقاً” (من مجموعتها القصصيّة التي تحمل العنوان نفسه) (ص198)، فالأم هنا تنوب عن الأب في فرْضِ الضبط والسيطرة، بل تفوقه في شدّة الانضباط، حيث تُصبح أكثر قسوة من الأب ذاته.
الكتابة كجسرٍ نحو التعدّديّة والالتئام
يَرفض الكتابُ ثنائيّة الأمّ الملاك/ الشيطان، ويَقترح قراءةً للأمّ كذاتٍ تتأثَّر بالواقع وتؤثِّر فيه، ككيانٍ هشّ، متغيّر، يتصارع بين المحبّة والتضحية، وبين الرغبة في الامتلاك والقلق من الفقْد. ترى أبو النجا أنّ الأمومة لا يجب أن تُؤطَّر في تمثيلاتِ الأيقونة أو القدّيسة أو الشهيدة فقط، بل كفعلٍ يوميٍّ هشّ، يتخلّله التوتُّر والنَّدم، كما في حالة عائشة التيموريّة التي حرقت أشعارَها بعد فقدان ابنتها. يولي الكتابُ أهميّةً للسيَرِ الذاتيّة والشهادات النسويّة التي تُعيد صَوْغ الأمومة من موقعٍ ذاتيّ هشّ. من شعر إيمان مرسال ورسائل مروة أبو ضيف، إلى روايات أليف شافاك وإيلينا فيرانتي، تُقرأ الأمومة كتجربةِ تمزُّقٍ داخلي، لا كصورة متجانسة. في رواية “”The Lost Daughter (2006) لإيلينا فيرانتي، مثلاً، تُروى تجربة أمّ تخلَّت عن ابنتيْها لتستعيدَ ذاتَها الأكاديميّة. هذا الأنموذج، الذي يَنزع الهالةَ عن الأمّ، كان صادماً لكثيرٍ من القرّاء، لكنّه يَفتح باباً لتحرير السرديّات من القوالب الجاهزة.
الكتاب كوثيقة جندريّة وثقافيّة
لا تسعى شيرين أبو النجا إلى صَوْغِ أنموذجٍ بديل “مثالي” للأمّ، بل تدعو إلى قراءة الأمومة كفعلٍ يوميّ هش، مُتناقض، ومتعدّد، يَستوعب التجربة الفرديّة. وهي بذلك تُحرِّر الأمومة من ثنائيّات “القدّيسة/ الشيطان”، وتُعيدها إلى الحقل المعقَّد للذات والجسد والسلطة والكتابة. فكما تقول: “العبرة ليست في اختيار النصوص، بل في كيفيّة قراءتها… أردتُ أن أُزحزح حدودَ النموذج المعروف سَلباً أو إيجاباً، من أجل تناوُل نماذج قد تبدو عاديّة أحياناً أو غَير لافتة… لكنّها تَنهل من الواقع اليومي الذي نعيشه” (ص49). كما تُوجِّه أبو النجا نقداً حادّاً للنسويّة الغربيّة البيضاء التي تَفرض نماذجها المفاهيميّة عن الأمومة على الجنوب، من دون فهْمٍ لتقاطُعات الدّين، والاستعمار، والفقر، والقَبليّة. فهي تؤكِّد أنّ الأمومة تتشكَّل دوماً من ضمن “شبكة من القوى المُتقاطعة”، وتتطلَّب تحليلاً تقاطعيّاً عابراً للحدود (ص238).
وهنا نَجِد صدىً لمشروع كلٍّ من الأكاديميّة والنّاشطة الأميركيّة كيانجا – ياما تايلور وأيقونة الفكر الثوري والنسويّة السوداء أنجيلا ديفيس في مُساءَلة المؤسَّسات التي تَحكم حياة الأمّهات السود في أميركا، وكذلك أعمال الأكاديميّة والناقدة الأدبيّة والمُنظّرة الثقافيّة الهنديّة – الأميركيّة غاياتري سبيفاك في انتقاد “الحديث بالنيابة” عن نساء العالَم الثالث.
في نهاية المطاف، يُشكِّل “رَحم العالَم” نصّاً معرفيّاً مركَّباً، يَفتح آفاقاً جديدة لفهْم الأمومة لا كمفهومٍ مُعطى، بل كفضاءٍ للكتابة، والتجريب، والمُقاومة. إنّه كتاب يتحدّى القارئ، ويدعوه إلى الإنصات إلى أصوات الأمّهات المتكلّمات، الهشّات، والمتوتّرات… أي الأمّهات الحقيقيّات، لا الرموز.
“رَحَم العالَم” يُشبه ما سمّته المؤلِّفةُ نفسها في مقدّمته “اقتحام جَبَلٍ من المقدَّسات”.
“رَحَم العالَم” هو بحقّ، واحدٌ من أهمّ النصوص النسويّة العربيّة الحديثة، ليس في محتواه فقط، بل في طريقته المركَّبة في التفكير والنّظر والمُقارَنة. الكتاب هو عملٌ نقديّ يتّسم بالشجاعة المعرفيّة، ويَمنح الأمومة صوتاً لا كرمزٍ ولا كأداةِ سلطة، بل كذاتٍ مُتكلِّمة، مُتعدِّدة، ومتوتّرة.
“رحَم العالَم” نصّ يجب أن يُقرأ ببطء، وتأمّل، وربّما… بامتنانٍ أيضاً.
*أكاديميّة مصريّة مُقيمة في الولايات المتّحدة.
* ينشر بالتزامن مع دورية أفق الصادرة عن مؤسسة الفكر العربي.