فبعد أشهر من توقيع مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران، لم تتجه المنطقة نحو التهدئة كما كان مأمولاً. بل شهدت تصعيداً عسكرياً شمل هجمات إيرانية على دول من مجلس التعاون الخليجي، وتهديداً للملاحة الدولية في مضيق هرمز، قبل أن ترد الولايات المتحدة بضربات عسكرية جديدة وإجراءات بحرية أعادت الصراع من جديد. كما أدان مجلس الأمن في قراره رقم 2817 (2026) الهجمات على دول الخليج، وأكد حماية حرية الملاحة، واعتبر أي تهديد بإغلاق مضيق هرمز تهديداً للسلم الأمن الدوليين.
وحيث إن هذه الأحداث لا تثبت أن النظام الإيراني ينهار، لكنها تطرح تساؤلاً عما إذا ما تغيرت أولوياته الإستراتيجية؟ فمنذ عام 1979 قامت السياسة الإقليمية الإيرانية على مبدأ يتمحور حول أن حماية النظام تبدأ من خارج الحدود. ولهذا بنت طهران شبكة واسعة من الحلفاء في العراق وسوريا ولبنان واليمن، بهدف توسيع نفوذها ونقل خطوط المواجهة بعيدا عن الأراضي الإيرانية. كانت هذه السياسة هجومية في جوهرها. فإيران لم تكن تكتفي بالدفاع عن نفسها. بل سعت إلى إعادة تشكيل التوازن الإقليمي بما يخدم مشروعها السياسي. في كتابه (1987) The Rise and Fall of the Great Powers يرى بول كيندي أن القوى الكبرى لا تبدأ بالتراجع بعد هزيمة واحده، بل عندما تصبح تكلفة الحفاظ على نفوذها الخارجي أكبر من قدرتها على تحمله. عندها تتحول السياسة الخارجية تدريجيا من البحث عن مكاسب جديدة إلى الدفاع عن المكاسب القديمة. وهذا ما يجعل التطورات الأخيرة جديرة بالاهتمام. فإيران لم تعد تستخدم أدواتها لتوسيع نفوذها بقدر ما تبدو منشغلة بالحفاظ على ما بنته خلال العقود الماضية. هذا التحول يظهر بوضوح في أزمة مضيق هرمز. فالمضيق كان طوال سنوات ورقة ردع؛ والتلويح بإغلاقه كان يهدف إلى رفع تكلفة أي مواجهة مع إيران. أما اليوم، فإن العودة إلى استخدام هذه الورقة في ظل التصعيد العسكري توحي بأن هامش الخيارات الاستراتيجية أصبح أضيق مما كان عليه في السابق. فعندما تنتقل الدولة من استخدام القوة لتوسيع نفوذها إلى استخدامها للحفاظ على بقائها، فإننا نكون أمام مرحلة مختلفة من تاريخها الاستراتيجي.
هذا لا يعني أن إيران فقدت قدراتها العسكرية. كما لا يعني أن سقوط النظام بات وشيكاً. فالأنظمة السياسية قد تستمر سنوات طويلة وهي في مرحلة دفاع إستراتيجي. لكنها بدأت تخشى أن يتغير النظام الإقليمي على حسابها.
لهذا فإن أهمية الحرب الأخيرة تمكن في ما تظهره من تغير أولويات النظام الإيراني. ولعل هذا المعنى الأوضح لعبارة كيفن هاريجان فالإمبراطوريات لا تبدأ بالانهيار لأنها بدأت الحرب، وإنما عندما يتحول سبب دخولها في الحرب من طموح إلى تفادي انهيار. وقد تكون الحرب بداية نهاية مرحلة كاملة من إستراتيجية النظام الإيراني.