هؤلاء الثلاثة الذين يجسدون واقع الشعب الفلسطيني ترتبط مصائرهم رغم أن أحدهم لا يعرف الآخر، في محاولة «خلاص» مشتركة. فالدوائر ضاقت حولهم حتى أصبحت كعقد المشنقة لا أوسع. ولهذا يقرّون الفرار.
إلى أين؟ إلى الكويت حيث العمل ممكن والدخل جيّد. وتسوق كل منهم مغامرته الخاصة والمرهقة إلى مدينة البصرة، ليسأل هناك عن مهرب ينقله إلى الكويت خلسة.
فهم بلا وطن، وبالتالي لا يحملون جوازات سفر ولا أوراقًا رسمية. وفي البصرة يلتقون دون معرفة، وتنضم مصائرهم في محاولة «الخلاص» التي تمتد بين جنوبي العراق والكويت. يسلّمون أمرهم لأبي الخيزران، وهو أيضًا فلسطيني ضائعٍ. فقد رجولته أثناء الحرب ضد الإسرائيليين وكذلك وطنه، فتحول إنسانًا مهشمًا ومجروحًا. يعمل الآن سائقًا لسيارة نقل ماء، ويشتغل إذا أمكن ذلك بالتهريب. يريد مالًا.. كثيرًا من المال، لأنه يتمنى أخيرًا أن يرتاح. يوافق أبو الخيزران على تهريب الثلاثة مقابل عشرة دنانير لكل واحد. وفي صباح يوم من أغسطس، يشحنهم بسيارته القديمة ويمضي بهم عبر الصحراء ولهيب الشمس. خطته بسيطة، تتلخّص في أن يختبئ الثلاثة داخل خزّان الماء عندما يعبرون نقطة حدود. داخل خزّان شبيه بجهنّم، لكن عليهم أن يتحمّلوا ذلك ريثما يجتازون المخفر. وأبو الخيزران سيحاول أن يتم ذلك بأسرع وقت ممكن. دقائق لا أكثر. وفي مخفر الحدود العراقي يتم الأمر بسرعة.. وبعد أن يجتازوه يخرجون من الخزان، وهم على حافة الاختناق. ولكن ما العمل؟ لا بد من تحمّل المشقّة. بقي مخفر آخر وتجربة عذاب أخرى، وبعدها يصلون إلى الكويت. ويندسّون مرة أخرى في جحيم الخزان.. تقف السيارة أمام المخفر الكويتي، ويهرع أبو الخيزران لتوقيع الأوراق. لكن الموظف ضجر. يريد أن يسرّي عن نفسه بالمزاح والحديث عن راقصات البصرة.. وعندما يفتح أبو الخيزران فوهة الخزان بعد اجتياز المخفر، لا يخرج أحد. وينتشر الصمت والموت.. يبدو أن الذين بلا وطن لا يستطيعون أن يفرّوا إلا باتجاه واحد، وأن كل الطرق الأخرى لا تقود إلا إلى أشكال جديدة من الهزيمة والخيبة. ويرمي أبو الخيزران الجثث الثلاث في مكان ما من الصحراء، ثم يوالي رحلة ضياعه وحزنه الطويل.
هذه هي تقريبًا قصة آخر أفلام توفيق صالح «المخدوعون» أعدّ السيناريو عن قصة غسان كنفاني «رجال في الشمس»، وأخرجه لصالح المؤسسة العامة للسينما في سوريا.
والفيلم مبني لكي يكون أغنية حزينة عن استحالة الفرار بالنسبة للذين بلا وطن. يبدأ بصحراء لا متناهية، انغرزت في كثبانها ورمالها الجافة كلمات محمود درويش: «وأبي قال مرة: الذي مالَه وطن مالَه في الثرى ضريح ونهاني عن السفر».. هذه الصحراء الممتدّة هي مدخل ولازمة في تلك المغامرة الخائبة التي يشرعها ثلاثة فلسطينيين، ضاقت حولهم الحياة.. إنها تظل عبر الفيلم برمالها المهلكة، وشمسها المستّنة اللاسعة. بامتدادها وضياع الاتجاهات فيها، وكأنها قدر فاجع لا مفرّ منه. تلازمهم كيفما تحرّكوا. تناديهم وتغويهم وفي النهاية تهلكهم، وتبعثرهم على رمالها. وعما قليل ستنفخ الريح وستذرو فوق الجثث أكوام الرمل. ستطمر أجسادهم. ولن يبقى أي شاهد عليهم إلا يدًا مرفوعة في الهواء. – صورة الفيلم الختامية – تتأهب أصابعها للإمساك بشيء ما. لعلّه الوطن. لعله الرجاء. لعله الجواب على سؤال اكتوت به حياتهم.. وتتعمّق القوة التعبيرية للصحراء حتى تصبح الوجه المناقض للوطن. إنها الضياع، والعذاب، والطريق التي تفضي إلى الهزيمة النهائية. ولهذا تبدو حاضرة خلال الفيلم كله تترصّد الأشخاص كالغواية، وتهّيء لهم الفاجعة كجواب وحيد على محاولة الفرار. الذين بلا وطن لا يستطيعون أن يفرّوا إلا باتجاه واحد. وكل الاتجاهات الأخرى مضلِّلة ومهلكة كهذه الصحراء. وقد استطاع توفيق صالح أن يؤكد هذا المعنى بقوة.. كما استغلّ ببراعة جزئيّات العالم الكئيب الذي يختنق فيه الأشخاص، ليعمق رمز الصحراء، ويعطيه بعدًا إضافيًا من الواقع. فالبؤس، والعذاب اليومي، وتمزّق العلاقات العائلية، والجوع، كل ذلك يتمازج مع الرمل القاحل، ولهيب الشمس، ليؤلّف لوحة متكاملة للحياة بلا وطن. ومفهوم توفيق صالح عن الوطن متقدّم وناضج، فهو ليس فكرة غنائية عن الطبيعة الجميلة وعطر بيارات البرتقال، بل هو إمكانية العمل والعيش والحرية والتقدّم، لهذا فإنه يلح باستمرار على الوضع الاجتماعي للاجئين. على بؤسهم الاقتصادي.
1972*
كاتب ومسرحي سوري «1941 – 1997»