كانت المملكة ترى ما لم يره كثيرون في ذلك الوقت؛ أن المنطقة مقبلة على تحولات كبرى، وأن التهديدات العابرة للحدود ستصبح واقعًا يوميًا، وأن القوى الإقليمية الطامحة ستسعى لملء أي فراغ أو ضعف في البنية الأمنية الخليجية. لذلك جاءت الدعوة إلى الاتحاد كخطوة استباقية تهدف إلى بناء طوق حماية جماعي، وتعزيز الردع، وتحصين المصالح العليا لدول المجلس وشعوبها.
واليوم، مع تطورات الحرب الحالية في منطقة الخليج، يتأكد أن تلك الرؤية لم تكن مجرد توقعات، بل قراءة دقيقة لما يمكن أن يحدث. فمئات الصواريخ والمسيّرات التي أُطلقت، والتهديدات التي تتنقل بين ساحات متعددة، تطرح سؤالًا منطقيًا حول ما إذا كانت هذه الهجمات ستقع لو كان الاتحاد الخليجي قائمًا، والجواب الأقرب للواقع هو: لا.
لأن الاتحاد يعني موقفًا دبلوماسيًا موحدًا ورادعًا، وجيشًا واحدًا، ودفاعًا جويًا موحدًا، وقوة بحرية مشتركة، وقدرات استخباراتية متكاملة، وميزان ردع يميل بقوة لصالح دول المجلس. ويعني أيضًا صوتًا إعلاميًا خليجيًا واحدًا يعكس الموقف المشترك ويواجه حملات التضليل، ودورًا اقتصاديًا موحدًا يعزز التكامل ويقوّي النفوذ التفاوضي الجماعي. فالاتحاد يعني أن أي تهديد لإحدى الدول هو تهديد للجميع، وأن الرد سيكون جماعيًا، وأن الخصم سيحسب ألف حساب قبل الإقدام على أي خطوة.
لقد كشفت الحرب بوضوح أن الأمن الخليجي لا يمكن تجزئته، وأن استقرار المنطقة لا يتحقق إلا بتكامل حقيقي، وأن العمل المنفرد لم يعد قادرًا على مواجهة التهديدات المعقدة والمتغيرة. كما أكدت أن الردع الفعّال يتطلب دفاعًا مشتركًا، ومنظومة موحدة للإنذار المبكر والدفاع الجوي، وتكاملًا في القدرات البحرية، وتنسيقًا استخباراتيًا وسيبرانيًا على أعلى مستوى، إضافة إلى وجود وثيقة لاستراتيجية الأمن القومي الخليجي تُبنى على أهداف مشتركة، ورؤية موحدة، وتنسيق عسكري وسياسي واقتصادي واستخباراتي متكامل.
لقد أوضحت الحرب أن الابتعاد عن كل ما يقوّض وحدة الصف الخليجي لم يعد خيارًا، بل ضرورة وجودية لحماية الشعوب والدول، وأن التكامل لم يعد ترفًا سياسيًا، بل شرطًا أساسيًا لبقاء المنطقة مستقرة وقادرة على حماية مصالحها.
ما حال دون تقدم مشروع الاتحاد في حينه كان مرتبطًا بطبيعة الظروف الإقليمية وتباين أولويات المرحلة، إضافة إلى الحاجة إلى مزيد من الوقت لتعميق مفاهيم العمل المشترك وتطوير آليات التكامل بين دول المجلس. ومع مرور السنوات وتغير البيئة الاستراتيجية، بات واضحًا أن تلك المرحلة كانت خطوة تمهيدية ضرورية لما يمكن أن يكون عليه الاتحاد اليوم.
لقد أثبتت الأحداث أن المستقبل يصنعه أصحاب الحكمة والرؤية الواضحة، وأن العالم لا يمنح مكانته إلا للكيانات التي تبادر بثقة وتتحرك بوحدة وإرادة مشتركة. والاتحاد الخليجي لم يعد خيارًا سياسيًا يمكن تأجيله، بل ضرورة وجودية لحماية الأمن القومي الخليجي، وتعزيز الاستقرار، وصون مصالح الدول والشعوب، وبناء قوة إقليمية قادرة على مواجهة عالم لا يعترف إلا بالأقوياء.
ومن هنا، تبدو اللحظة الراهنة مناسبة لإعادة إحياء المبادرة السعودية، ودراسة أهميتها من جديد في ضوء المتغيرات الحالية، وتطويرها بما يراه قادة دول المجلس مناسبًا لتعزيز وتعميق روابط الأمن والردع والدفاع المشترك. فإعادة النظر في مشروع الاتحاد ليست مجرد مراجعة سياسية، بل خطوة استراتيجية نحو بناء منظومة خليجية موحدة، أكثر تماسكًا وقدرة على حماية مصالحها، وتحصين مستقبلها، وترسيخ مكانتها كقوة إقليمية قادرة على مواجهة تحديات عالم سريع التحول ومليء بالتهديدات.