علمتني التجربة أن كثيرًا من التعثر داخل المؤسسات ليس لنقص الإمكانات أو محدودية الموارد، بقدر ما يعود إلى غياب وضوح القيادة. فالموظف لا يربكه فقط ضعف الأدوات، بل يربكه – أيضًا – غموض المطلوب، وتداخل الأدوار، وتباين الفهم بين أفراد الفريق. ولهذا فإن من أهم مسؤوليات المدير أن يوضح بجلاء ماذا يريد من الموظفين في المنظمة؟ لأن غموض التوجيه يُربك الأداء ويُهدر الجهد، ويُضعف جودة الإنجاز. فكلما كانت التوقعات واضحة والأهداف محددة والأدوار مفهومة، كان الفريق أكثر قدرة على العمل بكفاءة وانسجام، وتحقيق النتائج المطلوبة.
ومن خلال ما عشته في الميدان الإداري وجدت أن المدير الناجح ليس الأكثر حديثًا ولا الأكثر إصدارًا للتعليمات، بل الأكثر قدرة على تحويل الرؤية إلى مسار واضح يفهمه الجميع، يتحركون في إطاره بثقة. فالقيادة الحقيقية لا تبدأ من كثرة الأوامر، بل من وضوح المطلوب، والقدرة على جعل كل فرد داخل المؤسسة مدركًا لدوره وللقيمة التي يضيفها في منظومة العمل.
في إدارات الاتصال والإعلام تتضاعف أهمية هذا المعنى؛ لأن هذا المجال لا يتعامل مع أعمال تنفيذية معزولة، بل مع الصورة الذهنية للمؤسسة، ومع رسالتها ومع ثقة جمهورها الداخلي والخارجي؛ ولذلك فإن أي غموض في التوجيه لا ينعكس فقط على الأداء الداخلي، بل يمتد أثره إلى جودة الرسالة الإعلامية، وإلى اتساق الخطاب المؤسسي، وإلى قدرة الجهة على تقديم نفسها بصورة مهنية تليق بمكانتها.
من تجربتي أؤمن أن قيادة الاتصال والإعلام ليست مجرد متابعة للنشر، أو إدارة للمنصات أو إنتاجًا للمحتوى فحسب، بل ” إدارة للمعنى وصناعة للصورة وحماية للسمعة وتوجيه للاتجاه المؤسسي”,. وهذا الدور لا يمكن أن ينجح بالجهد الفردي وحده مهما بلغت الخبرة؛ لأن طبيعة العمل الاتصالي والإعلامي تقوم على التكامل بين التخطيط والتحرير والرصد والمتابعة، والعلاقات العامة والتنفيذ الميداني.
كما أكدت لي التجربة أن الفريق الذي يعمل معك ليس عنصرًا مساعدًا في النجاح، بل هو أساس النجاح الحقيقي؛ لأن الإدارة مهما امتلكت من رؤية لا تحقق أثرها دون فريق منسجم يعرف أدواره، ويعمل بثقة، ويتحرك بروح مشتركة. وقد ترسخت هذه القناعة لدي أكثر حين أدرنا ثلاث فعاليات كبرى خلال أسبوع في جامعة جازان، بحضور أصحاب المعالي والسعادة، واستضافة أكثر من مئة ضيف، حيث خرجت جميعها – ولله الحمد- بنجاح متميز نال التقدير والإشادة، ولم يكن ذلك نتيجة جهد فردي، بل ثمرة مباشرة لفريق عمل متماسك بني على الثقة والانضباط، ووضوح الأدوار وروح المسؤولية.
لقد أثبتت لي الخبرة العملية أن النجاح في إدارات الاتصال والإعلام لا يبدأ من كثرة الأدوات ولا من تعدد المنصات، بل ينطلق من وضوح القيادة، وبناء الفريق، ومن القدرة على تحويل الرؤية إلى ممارسة يومية منضبطة.وهذا ما يجعل القيمة الحقيقية للمدير لا تظهر فقط في حضوره الشخصي، بل في قدرته على توضيح الطريق وبناء الثقة وصناعة الأثر.